مايكل هيرب: إصلاحات الكويت تتقدم غالباً عبر 'التجربة والخطأ'
أكد في حوار مع رئيس مركز “ريكونسنس” بطء التحوّل الخليجي بعيداً عن النفط
أجرى مؤسس ورئيس مركز ريكونسنس للبحوث والدراسات، عبد العزيز العنجري، حوارًا مع أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية جورجيا الدكتور مايكل هيرب، وذلك على هامش زيارته إلى دولة الكويت للمشاركة في سلسلة من حلقات النقاش والندوات المتخصصة التي نظمها المركز بحضور نخبة من المهتمين بالشأن الخليجي والاقتصاد السياسي. ويُنشر هذا الحوار حصريًا في “السياسة وArab Times”.
ويأتي هذا الحوار ضمن سلسلة حوارات خاصة يقدمها المركز، ويهدف إلى إتاحة قراءة أكاديمية مبسطة للقارئ حول التحولات الجارية وحدودها الواقعية. وقد تناول الحوار التحولات البنيوية في الاقتصادات الخليجية، ومتطلبات جذب الاستثمار الأجنبي، وكيف تتكيف النظم السياسية الخليجية مع الضغوط الاقتصادية والإقليمية، إضافة إلى دور الأجيال الشابة المتعلمة في تشكيل مستقبل الحوكمة، وفيما يلي التفاصيل:
د.مايكل هيرب
الحضور الدولي لدول الخليج اليوم أكبر بكثير مما كان عليه قبل عقود
دول “التعاون” أظهرت قدراً كبيراً من الاستقرار السياسي على مدى عقود
المستثمر الأجنبي يحتاج إلى ضمان الملكية وبيئة أعمال أقل بيروقراطية
تقدم في التصنيع بالإمارات والسعودية في أجزاء غير مرتبطة بالهيدروكربونات
3 تحديات في الكويت… محدودية التنسيق وتداخل الاختصاصات وتضخم القطاع العام
الوصول إلى مرحلة “التحرر الحقيقي” من الاعتماد على النفط مازال بعيد المدى
ما أبرز تحوّل بنيوي تشهده الاقتصادات السياسية الخليجية اليوم؟
مازالت اقتصادات الخليج شديدة الاعتماد على العائدات الهيدروكربونية، صحيح أن بعض الدول – وخاصة الإمارات العربية المتحدة – أحرزت تقدمًا ملموسًا في مسار التنويع، إلا أن الصورة العامة تُظهر استمرارًا للاتجاهات القائمة أكثر من كونها قطيعة حقيقية مع الماضي. ونرى أن التحول البنيوي بطبيعته بطيء، وليس كل ما يجري اليوم يصبّ تلقائيًا في اتجاه الابتعاد عن النفط.
على الجانب الإيجابي، واصلت دول الخليج تطوير قطاع السياحة، فالمنطقة تترسخ كمحور عالمي للسفر، وبات مطار دبي ثاني أكثر مطارات العالم ازدحامًا بعد مطار أتلانتا، كما توسع الخليج في ترسيخ دوره كمركز لوجستي عبر تطوير موانئ متعددة، ومع ذلك، تبقى الاقتصادات الخليجية ـ مع استثناء جزئي للإمارات ـ معتمدة بدرجة كبيرة على النفط.
وقد دفع الانخفاض الحالي في أسعار النفط بعض دول مجلس التعاون إلى زيادة الاقتراض. وبصراحة، فإن الوصول إلى مرحلة “التحرر الحقيقي” من الاعتماد على النفط مازال احتمالًا بعيد المدى.
على صعيد سوق العمل، استمرت الحكومات الخليجية في سياسات “توطين الوظائف” وتقسيم أسواق العمل، مثل برنامج “نطاقات” في السعودية، عبر تخصيص مهن بعينها للمواطنين وفرض حصص للتوطين على شركات القطاع الخاص. ورغم تحقيق بعض النجاحات في بعض الدول، فإن هذه السياسات لم تمنع عمومًا عودة نسب غير المواطنين داخل مجتمعات الخليج إلى مستويات ما قبل جائحة كوفيد 19.
القطاع الخاص
ولا يزال القطاع الخاص في الخليج يعتمد بصورة كبيرة على العمالة غير الوطنية، كما أن عددًا من المواطنين العاملين في القطاع الخاص تُستكمل رواتبهم عبر دعم من ميزانيات الدولة، ما يعني أن وجودهم في القطاع الخاص لا يُعد بحد ذاته دليلًا كافيًا على تنويع اقتصادي فعلي بعيدًا عن النفط.
وفي المقابل، يواصل المواطنون العمل في القطاع العام بصورة أكبر، بينما تتفاوت نسبة غير المواطنين في القطاع العام تفاوتًا كبيرًا من دولة خليجية إلى أخرى بحسب مستوى الثروة النفطية؛ فمثلًا يشكّل المواطنون نسبة أعلى من إجمالي العاملين في القطاع العام في عُمان مقارنة بقطر.
مع ذلك، هناك تغيّرات حديثة تبدو جديدة وعميقة فعلًا، وفي مقدمتها جهود السعودية لجذب السياح؛ وهذا يمثل اختلافًا واضحًا عن الماضي. لكن على المدى الطويل، تبقى السياحة جزءًا واحدًا فقط من استراتيجية أشمل لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط.
تقدم في التصنيع
ونرى تقدمًا في التصنيع في الإمارات والسعودية على وجه الخصوص، لا سيما في أجزاء من القطاع الصناعي غير المرتبطة بالهيدروكربونات، وقد حققت رأس الخيمة نجاحًا ملحوظًا في تنمية شركات عالمية في صناعة السيراميك والأدوية تعمل في أسواق متعددة حول العالم، وهي تستفيد من البنية التحتية المتقدمة في الإمارات، لكنهاـ مثل دبي ـ لا تستطيع الاتكاء على ثروة نفطية كبيرة، لذلك تبدو أكثر اندفاعًا نحو التنويع مقارنة ببعض الحكومات الأخرى في المنطقة.
المستثمر الأجنبي
ماذا يحتاج المستثمر الأجنبي من دول مجلس التعاون لتقييم فرص نجاح الرؤى الاقتصادية على المدى الطويل؟
يحتاج المستثمرون إلى مؤسسات قوية تضمن حقوق الملكية، واستقرارًا سياسيًا، وبنية تحتية عالية الجودة، وإمكانية استقطاب قوى عاملة مدربة، وبيئة أعمال تقل فيها العوائق البيروقراطية أمام دخول الأسواق، إضافة إلى الحد من الاحتكارات والمحسوبية، وتوافر الأراضي، وغيرها من المتطلبات.
وتضع التصنيفات الدولية غالبًا الإمارات وقطر ضمن أفضل بيئات الاستثمار عالميًا، بينما تأتي الكويت عادة في مرتبة أدنى قليلًا داخل مجلس التعاون، ويعكس ذلك الخصوصية المؤسسية للكويت، حيث تتقدم الإصلاحات في كثير من الأحيان عبر نهج “التجربة والخطأ” أكثر من كونها جزءًا من استراتيجية طويلة الأجل محسوبة بشكل متّسق.، ومع ذلك، فإن التحسن الذي شهدته الحوكمة الرقمية وتنظيمات الاستثمار يشير إلى حركة إصلاحية ذات معنى، وحتى بمعايير الخليج، لا تواجه الكويت “فشلًا” بقدر ما تواجه حاجة إلى تسريع مسار إصلاحي بدأ يتشكل بالفعل.
وعمومًا، فإن البنية التحتية في الخليج عالمية المستوى، وهذا يساهم مباشرة في صعود قطاعات مثل اللوجستيات والسياحة وغيرها، كما أظهرت دول مجلس التعاون قدرًا كبيرًا من الاستقرار السياسي على مدى عقود، ولا يبدو أن ذلك مرشح للتغير في الأجل القصير أو المتوسط، وهناك أيضًا إدراك متزايد في دول المجلس لأهمية تخفيف بعض طبقات البيروقراطية وتسهيل تأسيس الأعمال الجديدة.
وقد بذلت السعودية تحديدًا جهودًا لتقليل العبء البيروقراطي، بينما ما زالت الكويت—مرة أخرى—متأخرة عن معظم دول الخليج، ويرتبط ذلك بتحديات هيكلية، تشمل محدودية التنسيق بين جهات حكومية عدة، وتداخل الاختصاصات، وتضخم القطاع العام بوتيرة أسرع من قدرته على تقديم خدمات بكفاءة. ونتيجة لذلك، اتسم الإصلاح في الكويت بطابع تدريجي وغير منتظم مقارنة بدول مجاورة.
الضغوط الاقتصادية
كيف تتكيّف الأنظمة السياسية الخليجية مع الضغوط الاقتصادية والإقليمية الجديدة اليوم؟
هناك قدر كبير من الاستمرارية في البنى المؤسسية السياسية الأساسية في الخليج، صحيح أن تغييرات قيادية حدثت في عدد من دول المنطقة في السنوات الأخيرة، وصعد إلى مواقع القرار قادة أصغر سنًا في أكثر من عاصمة، لكن مؤسسات الحكم الجوهرية لا تزال إلى حد بعيد هي ذاتها التي ترسخت عندما بنى المواطنون في الخليج دولًا بيروقراطية حديثة في منتصف القرن العشرين.
ما تغير حقًا هو الستراتيجيات التي يتبعها الحكّام، فالحضور الدولي لدول الخليج اليوم أكبر بكثير مما كان عليه قبل عقود، أتذكر أنه عندما كنت في قطر قبل ثلاثين سنة، اتصلت بأمريكي وأخبرته أنني في قطر، فكان رده: “أين أنت؟”؛ وهذا لا يمكن أن يحدث اليوم. لم تعد دول الخليج “معروفة” فحسب، بل باتت أيضًا لاعبة جدية في السياسة الدولية.
أما إقليميًا، فإن استمرار تراجع حظوظ النظام في إيران قد يطرح مخاطر عدم استقرار على دول مجلس التعاون، لكنه في الوقت نفسه يهمّش فاعلًا إقليميًا قريبًا كان يُنظر إليه ـ خصوصًا في السابق ـ بوصفه مصدر تهديد.
كيف ينبغي للمراقبين فهم الفروقات بين دول مجلس التعاون؟
دول مجلس التعاون دول ذات سيادة واستقلال، تصوغ سياساتها الخارجية بنفسها، كما أن ثروتها وموقعها الجغرافي يمنحانها القدرة بل والحافز للسير في سياسات تؤثر في دول أخرى داخل الإقليم، وفي بعض الأحيان، وفي سبيل ما تراه مصالحها الخاصة، قد تجد دول مجلس التعاون نفسها على خلاف مع بعضها البعض.
وأعتقد أنه من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت السياسات الخارجية “النشطة” خاصة إذا لم تُنفّذ بتنسيق مع بقية دول المجلس تستحق بالفعل ما تتطلبه من موارد وما تنطوي عليه من مخاطر. في المقابل، يبدو أن الوساطة تحصد أفضل العوائد: فهي تُسهم في حل النزاعات في المحيط الإقليمي، وتحافظ على علاقات جيدة بين دول مجلس التعاون وبين القوى الإقليمية والدولية.
وأخيرًا، تحتاج دول المجلس إلى المضي قدمًا في مسار التنويع الاقتصادي، بينما تهدد التوترات بينها بإحداث ضرر كبير بهذه الجهود، والمسار الأكثر وضوحًا للتنمية داخل المجلس هو توسيع التجارة البينية.
الأجيال الشابة
ما دور الأجيال الشابة المتعلمة في تشكيل مستقبل الحوكمة في الخليج؟
هم المستقبل، والتحدي هو أن نفتح لهم المجال داخل منظومات اتخاذ القرار والإدارة، ثم نضمن في الوقت نفسه ألا يقوموا هم بدور “إغلاق الباب” أمام الجيل الذي يأتي بعده.
كتاب مرجعي لفهم تحولات الخليج: (2014) The Wages of Oil
يقدّم الدكتور مايكل هيرب في كتابه إطارًا تحليليًا لفهم مسارات التحول في الخليج عبر مقارنة تُبرز اختلاف الخيارات والتوازنات بين الكويت والإمارات وما تعنيه هذه الفوارق لمستقبل الدول الخليجية الأصغر.
والكتاب غني بالبيانات، ويجمع في تحليل واحد ملفات اقتصاد العقار، وسوق العمل، والفوارق داخل المجتمع، والفاصل بين المواطنين وغير المواطنين، وسياسات الأراضي.
وقد حظي باهتمام بحثي لافت؛ إذ أدرجته واشنطن بوست ضمن قائمة أفضل كتب العلوم السياسية عن الشرق الأوسط لعام 2014.
الدكتور مايكل هيرب في سطور
الدكتور مايكل هيرب أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية جورجيا، ومتخصص في دراسة الأنظمة الخليجية وتطورها، وأثر الريع النفطي (لعنة الموارد)، والسياسات الخليجية عمومًا.
التحق بجامعة ولاية جورجيا عام 1998، وشغل منصب رئيس قسم العلوم السياسية بين 2017 و2023، كما تولّى إدارة معهد الشرق الأوسط في الجامعة بين 2009 و 2013.
وحصل هيرب على زمالات ومنح بحثية ضمن برامج فولبرايت، بينها زمالة بحثية في الجامعة الأميركية في الكويت، وجائزة فولبرايت في جامعة الكويت، إلى جانب زمالة CASA لدراسة العربية في الجامعة الأميركية بالقاهرة.
الكويت الان ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

