مهندس سوري يُعيد الحياة إلى ساعات تاريخية في حلب ودمشق

مهندس سوري يُعيد الحياة إلى ساعات تاريخية في حلب ودمشق

في ورشته المليئة بأجزاء الساعات وعدّة الصيانة، يتابع المهندس السوري أحمد أنيس تركيب ساعة «الزهور» الجديدة في حلب، في أحدث مشاريعه، آملاً أن تتحول خلال أسابيع إلى علامة بارزة تضاف إلى معالم المدينة. ومن المقرر أن توضع الساعة في إحدى الحدائق العامة، لتحل محل ساعة أخرى وُضعت في الموقع نفسه أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لكنها ظلّت متعطّلة منذ تركيبها بسبب خلل في التثبيت.

وقد بدأ أنيس أعمال التركيب بالفعل، ويتوقع أن تستغرق ما بين أسبوعين وثلاثة أسابيع.

شغف الطفولة يتحول إلى مهنة

لم تقتصر علاقة أنيس بالساعات على صناعة الجديد وتركيبه، بل قضى سنوات في محاولة إعادة عقارب ساعات قديمة وتاريخية إلى الدوران. ومن بين الساعات التي طالها عمله، ساعة المصرف المركزي وبرج ساعة باب الفرج في حلب، وساعة محطة الحجاز في دمشق، إضافة إلى ساعة في مدرسة الغسانية التابعة لكنيسة الروم الأرثوذكس في حمص، وهي التي يصفها بأنها واحدة من أقدم ساعات المدينة. كما ركّب ساعة جديدة في دير الزور، ويعمل حالياً على مشروع آخر في مدينة القصير بريف حمص.

بدأت الحكاية حين كان أنيس في الصف الخامس، أي في نحو العاشرة من عمره، حيث كان يقضي العطلة الصيفية عاملاً في متجر خاله بحلب، قبل أن يتحول ذلك الاهتمام المبكر إلى مهنة رافقته طوال السنوات. وقال في حديثه لوكالة الأناضول: “في البداية كنت أعمل خلال العطلة الصيفية مثل بقية الأطفال في حلب. كنت أعمل صيفاً وأواصل دراستي شتاءً. بدأت العمل في متجر خالي، وكنت مهتماً بالساعات القديمة”.

وأضاف: “مع مرور الوقت اعتدت على هذا المجال وتطورت فيه منذ سن مبكرة”.

بدأ أنيس بالساعات اليدوية وساعات الحائط والجيب، ثم انتقل اهتمامه إلى الساعات الكبيرة المثبتة على الأبراج والمعالم. وأوضح أن أول ساعة أنجزها بمفرده كانت ساعة المصرف المركزي في حلب، وأنه بدأ العمل بشكل مستقل في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره. ومع بلوغه بداية العشرينيات، اتجه بشكل أكبر إلى ساعات المدن.

وأردف: “بدأت أهتم بشكل خاص بالساعات الكبيرة في المدن. عملت على ساعات في حمص وإدلب وسلقين، إضافة إلى ساعات المدن الموجودة في مناطق مختلفة من سوريا”.

برج باب الفرج وساعة الحجاز

من أبرز الأعمال التي ارتبطت باسم أنيس برج ساعة باب الفرج، وهو معلم تاريخي في وسط حلب. اكتمل بناء البرج سنة 1899 إبان الحكم العثماني في ساحة باب الفرج، في موقع كان يضم سابقاً «قسطل السلطان»، وهو سبيل مياه عثماني. يضم البرج أربع واجهات تحمل أربعة أقراص للساعة، وكانت الأقراص المتقابلة تضبط على توقيتين مختلفين؛ قرصان يتبعان التوقيت الشرقي، وقرصان يتبعان التوقيت الغربي. ومع مرور السنوات، صار البرج من أبرز المعالم المرتبطة بساحة باب الفرج ووسط حلب.

وفي عام 2018، تولى أنيس إصلاح ساعة البرج التي كانت متوقفة عن العمل بسبب حالتها المتردية، وأعادها إلى الخدمة بعد توقف دام أكثر من عشر سنوات.

ومن الأعمال التي يصفها أنيس بأنها مميزة بالنسبة إليه، ساعة محطة الحجاز التاريخية في دمشق. وقال: “هذه ساعة مميزة جداً. إنها ساعة مساعدة وكانت تشغّل الساعات الممتدة من حلب إلى المدينة المنورة، بينما كانت الساعة المركزية تعمل عبر خط التلغراف”.

وترتبط محطة الحجاز بخط سكة حديد الحجاز الذي أنشئ في العهد العثماني لربط دمشق بالمدينة المنورة، ويُعد من أبرز مشاريع النقل في المنطقة خلال مطلع القرن العشرين. بدأ العمل في الخط عام 1900، ووصل إلى المدينة المنورة عام 1908، ما جعل رحلة الحجاج والمسافرين بين المدينتين أقصر.

ومثلما أعاد أنيس الحياة إلى ساعات ارتبطت بتاريخ المدن، يواصل العمل على ساعات أخرى لم يعد العثور على متخصصين في إصلاحها أمراً سهلاً، وفق ما يقول.

مهنة تتراجع في زمن الهواتف

يرى أنيس أن الساعات التقليدية ومهنة إصلاحها تشهدان تراجعاً مع تغير أنماط الحياة وانتشار الهواتف المحمولة. وقال: “في عصر الهواتف المحمولة والحياة السريعة، اختفت الساعات تقريباً من حياتنا بشكل كامل، ولم يبق إلا الأشخاص الذين ما زالوا مهتمين بهذا العمل”.

وبحسب تقديراته، أصبح عدد العاملين في إصلاح الساعات القديمة في حلب محدوداً جداً. وأوضح: “عدد العاملين في هذا المجال في حلب لا يتجاوز أصابع اليد. هناك شخصان أو ثلاثة يهتمون بالساعات القديمة وساعات الحائط واليد والجيب”.

وأضاف: “أما الساعات الكبيرة، فلم يعد هناك تقريباً أحد يعمل في هذا المجال”.

ذاكرة تتجاوز الآلية

بالنسبة إلى أنيس، لا تقتصر قيمة الساعات القديمة على آلياتها وعقاربها، بل تمتد إلى الذكريات التي تحملها لأصحابها والمدن التي ظلت جزءاً منها لسنوات طويلة. وقال: “مهنتي هي إعادة كل ما هو أثري وقديم إلى الحياة، لأن لهذه الأشياء دائماً تأثيراً خاصاً في الإنسان”.

وتابع: “هذه الأشياء التي ورثناها عن عائلاتنا وأجدادنا لها روح خاصة، وهي تذكرنا بالماضي”.

ورغم تراجع أعداد المشتغلين بها، يصرّ أنيس على مواصلة العمل. وختم قائلاً: “سأواصل القيام بكل ما أستطيع. لن أتراجع عن أي شيء يمكنني القيام به. هدفي هو الحفاظ على هذه المهنة وعلى الساعات القديمة وإبقائها حية”.

في الوقت الذي يصر فيه على إبقاء عقارب الساعات القديمة دوّارة، يترقب أنيس خلال الأسابيع المقبلة اكتمال ساعة «الزهور» في حلب، آملاً أن تضيف إلى المدينة معلماً جديداً إلى جانب ساعات تاريخية أمضى سنوات في العمل على إبقائها حية.

الكويت الان ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك