من مدرسة كريل إلى الجامعات الفرنسية: ثلاثة عقود من الجدل حول الحجاب في فرنسا

من مدرسة كريل إلى الجامعات الفرنسية: ثلاثة عقود من الجدل حول الحجاب في فرنسا

باريس/ إسراء تاشكين/ الأناضول

قضية الحجاب في فرنسا لم تنطلق مع تشريعات الألفية الجديدة، بل تعود جذورها إلى خريف عام 1989، عندما رفضت ثلاث طالبات مسلمات خلع حجابهن داخل مدرسة في بلدة كريل شمالي باريس. تلك الواقعة تحولت إلى نقطة بداية لنقاش سياسي واجتماعي وقانوني ممتد على مدى أكثر من ثلاثين عاماً حول الرموز الدينية للمسلمين في الفضاء العام، وصولاً إلى قوانين حظر الحجاب وتغطية الوجه.

تصاعد الضغوط لتوسيع نطاق الحظر

بعد أكثر من ثلاثة عقود على حادثة كريل، لم يعد الجدل محصوراً في المدارس الحكومية، بل امتد إلى مؤسسات التعليم العالي. إذ تتصاعد الضغوط السياسية والدعوات من تيارات المحافظين واليمين لتوسيع نطاق الحظر القانوني ليشمل الطالبات في الجامعات الفرنسية، وسط تحذيرات حقوقية وأكاديمية من المساس بالحريات الفردية داخل الحرم الجامعي.

ويرى الكاتب والمحرر الفرنسي توماس ديلتومب، الذي درس كيفية تناول الإعلام الفرنسي للإسلام، أن ما عُرف بـ”حادثة كريل” فتح الباب أمام جدل استمر عقوداً بشأن ارتداء المسلمين الرموز الدينية في الأماكن العامة.

تفاصيل حادثة كريل وقرار مجلس الدولة

في أكتوبر/تشرين الأول 1989، طُردت ثلاث طالبات من مدرسة “غابرييل-هافيز” الإعدادية في كريل بعد رفضهن خلع الحجاب داخل الصف. وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، أصدر مجلس الدولة الفرنسي قراراً اعتبر فيه أن ارتداء الطلاب رموزاً تدل على انتمائهم الديني لا يتعارض بحد ذاته مع مبدأ العلمانية.

لكن الجدل لم يتوقف. وفي 15 مارس/آذار 2004، أقرت فرنسا قانوناً يحظر في المدارس الحكومية ارتداء الرموز أو الملابس التي تُظهر بشكل واضح الانتماء الديني، وهو تشريع طال الحجاب الإسلامي بصورة خاصة في النقاش العام رغم أن نصه لم يذكر الإسلام أو الحجاب بالاسم. ودخل القانون حيز التنفيذ مع بداية العام الدراسي 2004-2005.

وفي عام 2010، توسع نطاق القيود بإقرار قانون يحظر إخفاء الوجه في الأماكن العامة، مع فرض غرامة تصل إلى 150 يورو على المخالفين. وامتد الجدل لاحقاً إلى أمهات محجبات يرافقن أبناءهن في الرحلات المدرسية، قبل أن يتدخل مجلس الدولة عام 2013 لصالح حقهن في ارتداء الحجاب. وفي عام 2024، بالتزامن مع استضافة فرنسا دورة الألعاب الأولمبية، منعت السلطات الرياضية الفرنسية أفراد بعثتها من ارتداء الحجاب أثناء المنافسات.

مقترحات جديدة لحظر الحجاب في الفضاء العام والجامعات

بعد أكثر من ثلاثة عقود على حادثة كريل، عاد الملف إلى الواجهة مع مقترحات من اليمين المتطرف لتوسيع نطاق حظر الحجاب ليشمل الفضاء العام بأكمله. وأعلن مسؤولون في حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف أنهم سيفرضون، في حال فوزهم بالانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، حظراً على ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، مع فرض غرامات على المخالفين، مشيرين إلى اعتزامهم طرح المسألة عبر استفتاء.

كما قال برونو ريتايو، مرشح حزب الجمهوريين (يمين الوسط) في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، إنه سيحظر ارتداء الحجاب في الجامعات حال فوزه بالانتخابات.

الإعلام الفرنسي والهوية الإسلامية: جذور التحول

بحسب ديلتومب، فإن جذور التحول في النظرة إلى المسلمين تعود إلى الطريقة التي بدأ بها الإعلام الفرنسي تناول الإسلام منذ سبعينيات القرن الماضي. وفي كتابه “الإسلام المتخيل: البناء الإعلامي للإسلاموفوبيا في فرنسا 1975-2005″، الصادر عام 2005، درس ديلتومب طريقة تناول الإعلام الفرنسي للإسلام خلال تلك الفترة.

وفي حديثه للأناضول، أوضح ديلتومب أن الإسلام لم يكن يحظى باهتمام كبير في الإعلام الفرنسي حتى سبعينيات القرن الماضي، عقب استقلال الجزائر عام 1962. وقال إن الاهتمام بدأ يتزايد مع الحديث عن العمال الأجانب القادمين إلى فرنسا، وبينهم أشخاص من دول ذات أغلبية مسلمة، إذ ركزت وسائل الإعلام على ثقافاتهم وأنماط حياتهم، وأجرت مقابلات بشأن الإسلام في البلاد.

لكن ديلتومب يرى أن ثمانينيات القرن الماضي شهدت “تحولاً جذرياً” شكّل بداية لمشكلة لا تزال قائمة حتى اليوم. وقال: “في ثمانينيات القرن الماضي، أصبح الإعلام الفرنسي يهتم بالهوية الإسلامية للمسلمين أكثر من أي هوية أخرى، وأنا أسمي ذلك إسلامنة النظرة إليهم”. وأضاف أن صحفيين ومديري وسائل إعلام وسياسيين بدأوا خلال تلك المرحلة اختزال المسلمين في “هويتهم الإسلامية” وحدها.

ثلاث طالبات يشعلن جدلاً وطنياً

وأشار ديلتومب إلى تزايد المقابلات التلفزيونية المتعلقة بارتداء الحجاب في تلك الفترة، معتبراً أن قضية الكاتب سلمان رشدي وكتابه “آيات شيطانية”، وما أثارته من جدل واسع، ثم ما عُرف في فرنسا بقضية “الشادور” الإيراني، أسهما في جعل غطاء الرأس قضية إعلامية وسياسية بارزة.

وقال إن وسائل الإعلام، ولا سيما التلفزيون، بدأت بعد ذلك بأشهر بث تقارير ومقابلات على مدى أسابيع بشأن ما سمته “قضية الشادور” و”قضية الحجاب”. وأوضح أن الاهتمام الإعلامي تركز في أكتوبر/تشرين الأول 1989 على الطالبات الثلاث في مدرسة “غابرييل-هافيز” بمدينة كريل، لتصبح الواقعة لاحقاً معروفة باسم “حادثة كريل”.

وقال ديلتومب إن القضية تحولت إلى “مسألة وطنية ونقاش وطني استمر أشهراً”، وفتحت الطريق أمام جدل استمر عقوداً بشأن ارتداء الرموز الدينية الإسلامية في الفضاء العام الفرنسي.

ويربط ديلتومب هذا التحول بتغيرات شهدتها فرنسا آنذاك على الصعيدين الإعلامي والسياسي، مشيراً إلى ظهور قنوات تلفزيونية خاصة واشتداد المنافسة بينها، ما دفع بعضها إلى البحث عن موضوعات مثيرة للجدل. وتزامن ذلك، بحسب ديلتومب، مع صعود اليمين المتطرف وقبول سياسيين فرنسيين فتح نقاش بشأن الهوية الفرنسية.

كما تصاعد حضور العلمانية في النقاش العام، وقال ديلتومب إن عدداً من المسؤولين الاشتراكيين قدموا ارتداء الحجاب على أنه يتعارض معها. وأضاف: “باختصار، كان الرأي السائد لدى اليسار واليمين هو أن ارتداء الحجاب في المدارس الحكومية يتعارض مع العلمانية”.

لكن ديلتومب أكد أن القوانين الفرنسية النافذة في ثمانينيات القرن الماضي لم تكن تعتبر الحجاب بحد ذاته مخالفاً للعلمانية، وأن قرار مجلس الدولة عام 1989 أكد أن ارتداء الرموز الدينية لا يشكل في حد ذاته انتهاكاً لهذا المبدأ. وأوضح أن القرار لم يلق قبولاً لدى بعض السياسيين من اليسار واليمين، وأن محاولات بدأت لاحقاً للالتفاف عليه.

وأشار إلى أن وزير التعليم آنذاك فرانسوا بايرو أصدر عام 1994 تعميماً بشأن الرموز الدينية في المدارس الحكومية. وقال ديلتومب إن التعميم لم يذكر كلمتي “مسلم” أو “حجاب” بشكل مباشر، لكنه رأى أن الرسالة كانت واضحة، مضيفاً: “كان الهدف هو حظر الحجاب في مؤسسات التعليم العام في فرنسا”.

قانون 2004.. نقطة تحول في مفهوم العلمانية

ويرى ديلتومب أن المحاولات الرامية إلى الالتفاف على قرار مجلس الدولة الصادر عام 1989 لم تحقق النتيجة المرجوة، إلى أن صدر قانون 15 مارس/آذار 2004 الذي حظر الرموز الدينية الظاهرة في المدارس الحكومية. وقال: “كان هذا انتصاراً كاملاً للمحافظين المعادين للمسلمين؛ فقد نجحوا في حظر الحجاب، وكذلك في وصم الشابات اللواتي يرتدينه”.

وأضاف أن أحداثاً مختلفة في العالم، لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بالإسلام، استُخدمت، بحسب رأيه، في النقاشات العامة لوصم المسلمين، ولا سيما من جانب أشخاص يتبنون أيديولوجيات عنصرية.

وأشار ديلتومب إلى أن قرار مجلس الدولة عام 1989 كان يميز بين اللباس والسلوك، إذ أتاح إمكانية اتخاذ إجراءات بحق الطالب بسبب سلوكه، لا لمجرد ارتدائه لباساً دينياً. وختم بالقول إن قانون عام 2004 غيّر هذا الوضع، وبالتالي “غيّر إلى حد ما طبيعة العلمانية” في فرنسا.

الكويت الان ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك