الفنون العلاجية تكتسب زخماً في لبنان كوسيلة لمواجهة الضغوط
الفنون كوسيلة للشفاء النفسي
في بلد ترهقه الأزمات، لم يعد الغناء والموسيقى والمسرح والرقص مجرد أشكال فنية، بل تحوّلت إلى مساحات يسعى فيها الناس لاستعادة التوازن، ومواجهة الخوف، وكسر العزلة، والبحث عن حياة أكثر احتمالاً. في السنوات الأخيرة لفت العلاج بالفنون اهتماماً متزايداً في لبنان، فلم يعد يُنظر إليه كنشاط ترفيهي فقط، بل كأداة يمكن أن تدخل في برامج الرعاية الصحية والتأهيل. من الدراما والمسرح إلى الموسيقى والرقص والحركة والرسم، تصبح الفنون وسائل تساعد الفرد على التعبير عن مشاعره، وفهم ذاته، والتعامل مع الضغوط بطريقة مختلفة.
التطبيقات العملية: الموسيقى والدراما
تشارك سامية، التي تبلغ من العمر خمسين عاماً، رأيها قائلةً إن الغناء يوفّر لها فرصة للابتعاد عن مشكلات البيت والضغوط اليومية والأخبار. أما شذى، في أواخر العشرينات، فتقول إنها بعد كل ما endured لم تستوعب بعد ما حدث، وحين تغني تشعر أنها قادرة على التعبير عن cosas لا تستطيع الكلمات العادية نقلها. توضح الاستشارية البروفسور ابتسام صعب، المتخصصة في العلاج الفيزيائي لاضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي، أن الفنون العلاجية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في برامج إعادة التأهيل، مؤكدة أن التأهيل الحديث لم يركّز على المرض أو الإصابة فقط، بل على الإنسان بكل أبعاده الجسدية والنفسية والاجتماعية، وأن نجاح العلاج يُقاس بقدرة المريض على استعادة استقلاليته وتحسين مشاركته في حياته اليومية. وتشير إلى مراجعة علمية شاملة نُشرت عام 2019 عن المكتب الإقليمي الأوروبي لمنظمة الصحة العالمية، واستعرضت أكثر من 3000 دراسة علمية، وأظهرت أن الفنون العلاجية، مثل الموسيقى والمسرح والرقص، يمكن أن تسهم في تعزيز الصحة النفسية، وتحسين جودة الحياة، ودعم التواصل والمشاركة الاجتماعية. وتضيف أن منظمة الصحة العالمية تؤكد أهمية دمج الفنون ضمن خدمات الرعاية الصحية وإعادة التأهيل عندما يكون ذلك مناسباً، لما لها من أثر إيجابي في دعم الجوانب النفسية والاجتماعية والوظيفية للمريض. وتؤكد أن العلاج بالفنون ليس بديلاً عن العلاج الفيزيائي أو العلاج النفسي، بل هو تدخل علاجي تكاملي يُستخدم عندما تشير الحاجة إليه، ويُقدَّم ضمن خطة علاجية يشرف عليها فريق متعدد التخصصات، بما يحقق أفضل النتائج للمريض. وتوضح أن العمل يبدأ بتقييم شامل لحالة المريض واحتياجاته، ثم يضع الفريق متعدد التخصصات خطة علاجية متكاملة، بحيث يحدّد كل اختصاصي التدخلات المناسبة ضمن مجال اختصاصه، ويُدمج العلاج بالفنون في برنامج التأهيل عندما يكون مناسبا لتحقيق أهداف العلاج. وتشرح د. لينا رياشي، اختصاصية في العلاج بالموسيقى والعلاج الفيزيولوجي، أن العلاج بالموسيقى ليس مجرد وسيلة للاسترخاء، بل هو علاج يستخدم عناصر الموسيقى مثل الاستماع والغناء والعزف والإيقاع والارتجال لتحقيق أهداف صحية ونفسية واجتماعية. وتوضح أن الفرق كبير بين الاستماع العادي للموسيقى والشعور بالراحة وبين المشاركة في جلسة علاج بالموسيقى مع متخصص؛ فتبدأ الجلسة بتقييم الحالة وتحديد هدف علاجي، ثم اختيار تقنيات موسيقية مناسبة، ومراقبة استجابة الشخص وتقييم تقدمه. وتؤكد أن العلاج بالموسيقى لا يقتصر على الاستماع إلى موسيقى هادئة، بل قد يتضمن الغناء أو العزف أو الارتجال أو كتابة الأغاني، واستخدام الصوت والجسد والإيقاع، مشددة على أن العنصر الأساسي هو أن تتم العملية ضمن علاقة علاجية ومن خلال متخصص ومدرّب. وتحذر من الخلط بين العلاج بالموسيقى والأنشطة الغنائية المنتشرة، مشيرة إلى أن إقامة حلقات غناء أو تمارين صوتية، حتى لو شعر المشاركون بعدها بالراحة، لا يعني تلقائياً أنهم خضعوا لعلاج بالموسيقى. وتلفت إلى أن الموسيقى تختلف من شخص إلى آخر؛ فما يريح شخصاً قد يزعج آخر، والأغنية نفسها قد تحمل لشخص ذكرى جميلة ولآخر ذكرى مؤلمة. لذلك، يجري التعرف إلى التفضيلات الموسيقية للشخص وتاريخه وثقافته وعمره وحالته النفسية والهدف من الجلسة قبل اختيار الموسيقى المناسبة. وتضيف أن الموسيقى قد تساعد الإنسان على الوصول إلى مشاعره والتعبير عنها عندما تكون الكلمات صعبة، خصوصاً في حالات القلق وصعوبات التواصل وتنظيم الانفعالات والمشاكل السلوكية، كما يمكن استخدامها مع الأطفال الذين يعانون من اضطرابات في التواصل، ومن ضمنها التوحد. وترى رياشي أن الأمر يرتبط بحجم الضغوط التي يعيشها اللبنانيون، من أزمات اقتصادية وخوف وفقدان الشعور بالأمان وهجرة وانفصال عائلي وأحداث أمنية وضغوط يومية مستمرة. وتشدّد على ضرورة التمييز بين النشاط الموسيقي الذي يمنح الإنسان لحظة من الراحة أو الهروب من الضغوط، وبين العلاج بالموسيقى الذي يقوم على أسس مهنية وعلاجية واضحة. وتقول غالية صعب، خريجة علوم المسرح والمعالجة المتخصصة بالدراما ثيرابي، إن الدراما ثيرابي تندرج تحت مظلة العلاج بالفنون بشكل عام، إلى جانب العلاج بالموسيقى والرسم والحركة والرقص، مشيرة إلى أن الشخص يمكنه اختيار المجال الأقرب إليه وفق حاجته وطبيعته. وتلفت إلى أن الدراما ثيرابي بدأت تصبح معروفة بشكل أكبر في لبنان خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية. وتشدّد على أن العلاج بالدراما لا يمكن أن يكون تجربة تقتصر على جلسة أو جلستين، بل يحتاج إلى مسار علاجي متكامل، يتراوح عادة بين ثماني جلسات كحد أدنى، وقد يصل إلى 10 أو 12 جلسة، فيما تتراوح مدة الجلسة بين ساعة ونصف وثلاث ساعات، وفقاً لحاجة كل شخص والبرنامج الموضوع له. وتوضح أن اللبنانيين يعيشون اليوم في ظل ضغوط وأزمات متواصلة، وفي حالة من عدم الأمان، حتى بات كثيرون يعيشون في حالة دائمة من التأهب والبقاء نتيجة الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي يواجهونها يومياً. وترى أن الدراما ثيرابي، إلى جانب الموسيقى ثيرابي، ليست مجرد علاج لفترة زمنية محددة، بل يمكن أن تصبح جزءاً من أسلوب حياة أكثر صحة. وتختم بالتأكيد على أن استخدام الموسيقى والرسم والرقص والحركة والجسد يساعد على كسر الحواجز، إذ قد يدخل الشخص إلى الجلسة من خلال نشاط فني يبدو في البداية مسلياً، ثم يكتشف أنه بدأ يتحدث ويعبّر عن نفسه من دون أن يشعر. ويشرح المعالج الفيزيائي والعازف الموسيقي كريم صباغ أن الموسيقى عالم متنوع، ولكل حالة ما يمكن أن يحاكيها من ألحان ومقامات، موضحاً أن الموسيقى تضم مقامات متعددة، منها ما يرتبط بالحزن ومنها ما يرتبط بالفرح وغيرها من الحالات والمشاعر، ما يجعلها قادرة على ملامسة جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية.
الانتشار المجتمعي والدعم المؤسسي
ويقول صاحب فندق كبير في العاصمة اللبنانية بيروت إن إدارة الفندق تفاجأت بحجم الإقبال على هذه الأنشطة، التي وصفها بأنها أصبحت «ترند الموسم»، مشيراً إلى أن معظم قاعات الفندق باتت تُحجز لإقامة دروس وأنشطة فنية وموسيقية ومشاركة المستفيدين فيها. ويضيف أن الظاهرة تستقطب النساء بشكل خاص في الوقت الحالي، مع ازدياد الإقبال على اللقاءات التي تجمع بين الموسيقى والفن والتواصل الاجتماعي.
الكويت الان ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
