المقاطرة على خط الاشتباك: تقدّم الحوثيين صوب عدن بين حسابات الميدان وسيناريو الاستدراج

لم يعد الصراع المسلح في اليمن محصوراً داخل الجبهات المعتادة، إذ شهدت الأشهر الماضية موجة تصعيد عريضة وتبدّلات ميدانية أعادت ترسيم خطوط الاشتباك الفاصلة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي.
وباتت المواجهات تمتدّ مع هذا التصعيد إلى مساحات جديدة في الساحل الغربي ومحافظتي تعز ولحج جنوبي البلاد، حتى بلغت مديرية المقاطرة ذات الموقع الاستراتيجي على الطريق الذي يربط تعز بالعاصمة المؤقتة عدن.
وإذا كان بعض المتابعين يخشون أن يؤدي تقدّم الجماعة في المقاطرة إلى توسّع القتال نحو المحافظات الجنوبية، فإن خبيراً عسكرياً استبعد أن تكون الجماعة قادرة على مواصلة زحفها والوصول إلى عدن التي تفصلها عن المقاطرة مسافة تناهز 100 كيلومتر، وذهب إلى وجود سيناريو يُفترض فيه أن فصائل وتيارات موالية للحكومة تعمّدت استدراج الحوثيين إلى مناطق تبعد عن مركز محافظة تعز، بما يخفّف الضغط العسكري عن المدينة.
ثلث المساحة وثمانون بالمئة من السكان
تُحكم جماعة الحوثي قبضتها على العاصمة صنعاء وعلى معظم محافظات الشمال والغرب، ومنها صعدة وعمران وذمار وإب وحجة والمحويت وريمة والجوف، إضافة إلى أجزاء واسعة من الحديدة والبيضاء ومأرب وتعز.
وفي المقابل، تنتشر القوات الحكومية والتشكيلات العسكرية المتحالفة معها في محافظات الجنوب والشرق، ومنها عدن وأبين ولحج وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى، إلى جانب أجزاء من تعز ومأرب والساحل الغربي.
غير أن خطوط السيطرة تغيّرت في أثناء التصعيد الأخير، فقد سجّل الحوثيون تقدّماً في مناطق من الساحل الغربي قرب مضيق باب المندب، واختراقات في المرتفعات الجبلية بتعز ولحج، في مقابل محاولات من القوات الحكومية لوقف زحفهم واسترداد المواقع التي أفلتت منها.
وتشير تقديرات ودراسات متخصّصة في رصد النزاع اليمني إلى أن الحوثيين يسيطرون على ما يقارب ثلث مساحة البلاد، فيما تنال القوات الحكومية والقوى المتحالفة معها قرابة الثلثين.
بيد أن هذه النسب لا تعبّر عن التوزيع السكاني، فمناطق الحوثيين تضم المدن الأكثر كثافة سكانية، ويُقدَّر أن ما بين 70 و80 بالمئة من سكان اليمن يقيمون تحت سيطرتهم، في وقت تتركّز فيه المساحات الجغرافية الأوسع خارج نفوذهم في محافظات الشرق والجنوب الأقل كثافة.
وتبقى هذه التقديرات تقريبية، لأنها تستند إلى خرائط تعود إلى ما قبل التصعيد الأخير، ولا تعكس بالضرورة ما طرأ على خطوط السيطرة في أيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) من العام الحالي.
المقاطرة.. بوابة جبلية تُشرف على طريق تعز – عدن
خلال الأيام القليلة الماضية، برزت مديرية المقاطرة شمالي محافظة لحج واحدة من أبرز ساحات المواجهة، بعدما نجح الحوثيون في التقدّم والسيطرة على مواقع مرتفعة وذات قيمة استراتيجية، من بينها قلعة المقاطرة التاريخية.
وتقع المديرية شمال غربي مدينة الحوطة، مركز محافظة لحج، على مسافة تقارب 83 كيلومتراً منها، وتبلغ مساحتها 476 كيلومتراً مربعاً، فيما كان عدد سكانها 54 ألفاً و613 نسمة بحسب تعداد عام 2004.
ويحدّ المقاطرة من الشمال محافظة تعز، ومن الغرب مديرية المضاربة ورأس العارة، ومن الجنوب والشرق طور الباحة، وهو موقع يمنحها ثقلاً عسكرياً لأن مرتفعاتها تُشرف على طرق حيوية تصل تعز بالمناطق الجنوبية.
وكانت المديرية تتبع محافظة تعز قبل أن تُنقل تبعيتها الإدارية إلى لحج، ما يعكس ارتباطها الجغرافي الوثيق بمناطق التماس بين المحافظتين.
وتكمن خطورة التقدّم الحوثي في طبيعة تضاريس المقاطرة الجبلية، إذ تتيح المرتفعات لمن يضبطها مراقبة مسارات الحركة والإمداد، وأبرزها الطريق الاستراتيجي الذي يربط تعز بعدن عبر منطقة هيجة العبد.
كما أن قرب المديرية من طور الباحة، إحدى البوابات الشمالية لمحافظة لحج، يرفع من وزنها في أي حساب للتقدّم نحو المناطق الجنوبية.
وعليه، فإن أثر السيطرة على مواقع في المقاطرة لا يقف عند تغيير خطوط التماس، بل يمتد إلى احتمال تهديد طرق الإمداد الحكومية وفتح محاور ضغط جديدة في اتجاه لحج وعدن.
مخاوف عدن وتحدّي توزيع القوات على جبهات متباعدة
أثار زحف الحوثيين في المقاطرة مخاوف من اقتراب المواجهات من عدن، التي تتخذها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عاصمة مؤقتة للبلاد.
وهذه المخاوف لا تقوم على المسافة الجغرافية وحدها، بل على ما قد يترتب على ضبط المرتفعات والممرات الحيوية من تهديد لخطوط الإمداد وفتح جبهات جديدة باتجاه المحافظات الجنوبية.
ويضاف إلى ذلك استمرار الضغط الحوثي على جبهات تعز ولحج والساحل الغربي، بالتزامن مع المواجهات قرب باب المندب، وهو ما يضع القوات الحكومية أمام معضلة توزيع قدراتها العسكرية على جبهات متباعدة.
وتزداد هذه المعضلة صعوبة مع تعدّد التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين، والحاجة إلى تنسيق عملياتها وتوحيد قرارها العسكري كي لا تستغل الجماعة أي ثغرة في خطوط الدفاع.
وفيما تسعى الجماعة إلى تثبيت مكاسبها وتوسيع نطاق نفوذها، تدفع القوات الحكومية والقوى العسكرية الجنوبية بتعزيزات لاحتواء التقدّم واستعادة المواقع المفقودة، ومنع انتقال المعارك إلى عمق المحافظات الجنوبية.
الذهب: المكاسب «مؤقتة» والوصول إلى عدن ليس محسوماً
على الرغم من المخاوف التي أثارها التقدّم الحوثي، استبعد الخبير العسكري اليمني علي الذهب أن تواصل الجماعة زحفها وتصل إلى عدن، معتبراً أن اقترابها إلى نحو 100 كيلومتر من المدينة لا يعني أنها تملك القدرة على إخضاعها أو السيطرة على المحافظات المجاورة.
وقال الذهب في حديثه لوكالة الأناضول إن «التقدم الحوثي في مساحات كبيرة مؤخرا، خاصة في تعز، لا يعكس حقيقة قوة الحوثيين أو سهولة وإمكانية وصولهم إلى عدن»، وإنما يكشف خللاً تنظيمياً في إدارة القوات التابعة للحكومة الشرعية.
وأوضح أن توحيد القرار العسكري للقوات الحكومية، وإعادة النظر في قياداتها وآليات بنائها وإدارتها، من شأنه تعزيز موقف الحكومة والحدّ من اندفاع الحوثيين.
وشدّد على أن الوضع الميداني الراهن يختلف عمّا كان عليه عام 2015، حين تمدّدت الجماعة في محافظات يمنية عدة، من بينها عدن، قبل أن تفقد السيطرة عليها.
ورأى الذهب أن المكاسب التي حققها الحوثيون أخيراً «مؤقتة»، وأن احتفاظهم بها يواجه تحديات عدة، أبرزها احتمال معالجة القوات الحكومية أوجه القصور في أدائها، إضافة إلى ضعف الحاضنة الشعبية للجماعة في المناطق التي تقدّمت إليها، وفق تقديره.
وفي تفسير آخر لما يجري ميدانياً، لا يستبعد الخبير أن تكون بعض الفصائل والتيارات الموالية للحكومة تعمّدت استدراج الحوثيين إلى مناطق بعيدة عن مركز محافظة تعز، بهدف تخفيف الضغط العسكري عن المدينة.
وبحسب تقديره، فإن إتاحة المجال للجماعة للتقدّم جنوباً ربما أوهمتها بإمكانية تحقيق مكاسب إضافية، لكنها في المقابل خفّفت الضغط عن القوات المدافعة عن مدينة تعز.
ويرى أن هذا التطوّر قد يعزّز موقف القوات المناهضة للحوثيين في المدينة، ويجعل الجماعة أكثر عرضة للخسائر إذا حاولت استئناف هجماتها باتجاه مركز المحافظة.
وتبقى هذه القراءة تقديراً عسكرياً يقدّمه الذهب، في ظل صعوبة الجزم بما إذا كانت التحركات الحكومية الأخيرة نتيجة انسحابات فرضتها المعارك أم إعادة انتشار داخل خطة عسكرية أوسع.
خسائر متصاعدة وأوضاع إنسانية مهددة
مع اتساع رقعة المواجهات، تتزايد الخسائر البشرية والعسكرية على جبهات تعز ولحج والساحل الغربي، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى من المقاتلين والمدنيين خلال التصعيد الأخير.
وتتفاوت الحصائل التي تعلنها الأطراف المتحاربة، في ظل صعوبة الوصول إلى بعض مناطق الاشتباكات والتحقق المستقل من أعداد الضحايا وحجم الخسائر.
كما تثير المعارك مخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية، خصوصاً في المناطق التي تمرّ عبرها طرق الإمداد والنقل بين المحافظات، وما قد ينجم عن تعطيلها من صعوبات في حركة السكان ووصول السلع والمساعدات.
وبين محاولات الحوثيين تثبيت مكاسبهم وتحركات القوات الحكومية لاستعادة المواقع المفقودة، تتحول المقاطرة إلى اختبار ميداني لقدرة الطرفين على تغيير موازين القوى في جنوب غربي اليمن.
وفي حين يثير اقتراب المواجهات من عدن قلقاً على أمن العاصمة المؤقتة، يرى الذهب أن حسم المعركة لن يتوقف على المسافات التي تقطعها القوات المتقدمة، بقدر ما يرتبط بقدرتها على الاحتفاظ بالأرض، وبمدى نجاح القوات الحكومية في تجاوز اختلالاتها وتوحيد قرارها العسكري.




