استهداف منشآت النفط في ليبيا يعيد المخاوف من استخدام الطاقة كورقة ضغط سياسي
عادت منشآت الطاقة في ليبيا إلى دائرة الاضطرابات الأمنية والسياسية، بعد تعرضها لسلسلة من الحوادث والاحتجاجات خلال أيام معدودة، مما أثار القلق من تحول قطاع النفط والغاز إلى أداة ضغط في النزاعات الداخلية، وهو ما يهدد أحد أهم مصادر الاقتصاد الليبي.
ففي مصفاة الزاوية، اصطدمت طائرة مسيرة فجر السبت بأحد خزانات المصفاة، ما تسبب في أضرار مادية وتسرب مادة النافثا. وقبل ذلك بأيام، شهد مجمع مليتة الصناعي، الواقع على بعد أقل من 20 كيلومتراً من مدينة الزاوية، اقتحام محتجين للموقع وإغلاق خطوط الغاز التي تغذي محطات الكهرباء.
استهداف متزامن لمنشآت حيوية
وتعيد هذه التطورات طرح السؤال القديم حول ما إذا كانت منشآت النفط والغاز قد عادت لتكون ورقة ضغط رئيسية في الصراع الليبي، بعد سنوات من الإغلاقات التي كبدت البلاد خسائر بمليارات الدولارات.
وتتجاوز أهمية مجمع مليتة ومصفاة الزاوية السوق المحلية، إذ يرتبط المجمع بمعالجة النفط والغاز، بالإضافة إلى خط “غرين ستريم” الذي ينقل الغاز الليبي إلى إيطاليا. وهنا تكمن حساسية استهداف هذه المنشأة، لأن المساس بإمدادات الغاز لا يهدد الإنتاج المحلي فحسب، بل قد يؤثر على التزامات ليبيا الخارجية وشراكاتها مع الدول الأوروبية، وعلى رأسها إيطاليا.
وتكشف واقعتا الزاوية ومليتة عن طبيعة مختلفة من المخاطر التي تواجه قطاع الطاقة؛ فبينما جاء الخطر في الزاوية من حادث أمني مباشر استهدف منشأة إنتاجية، ارتبطت أزمة مليتة باحتجاجات تحولت إلى تعطيل فعلي لتدفقات الطاقة.
ظاهرة قديمة تتجدد
ولا تمثل هذه التطورات سابقة في قطاع الطاقة الليبي، إذ شهدت البلاد منذ عام 2013 موجات متتالية من إغلاق المنشآت النفطية، بدأت بموانئ الهلال النفطي شرق البلاد، ثم امتدت خلال أعوام 2014 و2016 و2018 إلى حقول وموانئ وخطوط إنتاج في مناطق مختلفة من الشرق والغرب والجنوب.
واختلفت دوافع الإغلاقات من حالة إلى أخرى، بين مطالب سياسية ومالية ومحلية، واحتجاجات مرتبطة بالتنمية وتوزيع الموارد، فضلاً عن تحركات جماعات مسلحة سعت إلى استخدام المنشآت النفطية للحصول على مكاسب أو فرض شروط على السلطات. لكن القاسم المشترك بين معظم تلك الأزمات كان تحويل السيطرة على مورد اقتصادي استراتيجي إلى وسيلة للتأثير في القرار السياسي.
وبلغت الأزمة ذروتها مطلع عام 2020 عندما توقف معظم إنتاج النفط الليبي لنحو 8 أشهر، في واحدة من أكبر عمليات الإغلاق التي شهدها القطاع منذ سقوط نظام معمر القذافي. وتكررت عمليات الإغلاق بعد ذلك في عدد من الحقول وخطوط الإنتاج، لتصبح منشآت النفط والغاز في أحيان كثيرة جزءاً من أدوات الصراع بين القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية، في ظل استمرار الانقسام السياسي وغياب سلطة موحدة قادرة على حماية القطاع.
خسائر بمليارات الدولارات
وتقدم أزمة عام 2020 نموذجاً واضحاً لحجم الكلفة التي يمكن أن تدفعها الدولة عندما يتحول النفط من مصدر للدخل إلى أداة للصراع. ووفقاً لبيانات المؤسسة الوطنية للنفط، تسبب الإغلاق الذي بدأ في يناير 2020 واستمر قرابة 8 أشهر في خسائر تجاوزت 10 مليارات دولار، بعدما هبط الإنتاج من نحو 1.2 مليون برميل يومياً إلى أقل من 100 ألف برميل في بعض الفترات.
ولم تكن الخسائر محصورة في قيمة البراميل التي لم تصل إلى الأسواق، بل امتدت إلى سلسلة واسعة من التداعيات المرتبطة بالمالية العامة والاستثمار والإنتاج والصيانة وثقة الشركات الدولية. فالاقتصاد الليبي شديد الارتباط بعائدات النفط التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الدولة، فيما تعتمد الموازنة العامة بدرجة كبيرة على العائدات النفطية لتمويل المرتبات والدعم والإنفاق الحكومي.
ومع تجاوز إنتاج ليبيا خلال الأشهر الأخيرة مستوى 1.4 مليون برميل يومياً، وهو من أعلى المستويات المسجلة خلال السنوات الماضية، تبدو المفارقة واضحة: كلما تحسن الإنتاج وارتفعت القدرة على التصدير، زادت أهمية حماية المنشآت من العودة إلى دائرة الإغلاق والصراع. وأي توقف في الإنتاج أو التصدير يمكن أن ينعكس سريعاً على الإيرادات العامة، وعلى قدرة الدولة على تمويل الإنفاق، وعلى سعر صرف الدينار، فضلاً عن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
تحذيرات من تفاقم الأزمة
ويرى المهندس علي الفارسي، محلل أسواق الاقتصاد والطاقة، أن التهديدات التي تواجه منشآت الطاقة تشكل خطراً مباشراً على منظومة الطاقة الليبية، وتنعكس سلباً على مكانة البلاد الاستثمارية وثقة الشركات الأجنبية والشركاء الدوليين. وقال الفارسي في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية” إن ليبيا تتجه حالياً إلى تطوير قدراتها في مجال الغاز واستغلال مواردها بصورة أكبر، وهو ما يجعل إبعاد منشآت النفط والغاز عن الخلافات السياسية ضرورة لا تحتمل التأجيل، مؤكداً أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي يظل رهناً بفرض الأمن وحماية البنية التحتية للطاقة.
وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة في ظل سعي ليبيا إلى زيادة إنتاجها من النفط والغاز وجذب استثمارات جديدة إلى القطاع، إذ إن المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم الاحتياطيات والإنتاج، بل يضع استقرار المنشآت وخطوط النقل وقدرة الدولة على حمايتها ضمن حساباته الأساسية. وبالتالي، فإن استمرار تعرض منشآت الطاقة للإغلاق أو التهديد لا يهدد الإنتاج الحالي فحسب، بل يمكن أن يرفع كلفة الاستثمار ويؤثر في قرارات الشركات بشأن توسيع أعمالها في ليبيا.
ولا ينفصل التوتر بشأن منشآت النفط والغاز، بحسب السياسي الليبي وعضو الحوار المهيكل التابع لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا صبري المبروك، عن أزمات أوسع تعيشها البلاد. وأوضح المبروك في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية” أن الأزمة الحالية تتجاوز منشآت النفط وتعكس تراكم أزمات أمنية وخدمية وسياسية. وأضاف أن السلوكيات التي أحاطت بالمؤسسات النفطية جاءت نتيجة استمرار الانسداد السياسي ورفض قطاع من الشارع الليبي للمبادرات المطروحة، مع تصاعد المطالب بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات الأساسية.
ويرى المبروك أن المشهد لا يقتصر على طرابلس، بل يمتد إلى مدن أخرى مثل بنغازي وسبها، وإن اختلفت أشكال التعبير. مشيراً إلى أن المخرج الحقيقي للأزمة من وجهة نظره يتمثل في تجديد الشرعية الشعبية عبر الانتخابات، واختيار حكومة موحدة قادرة على فرض سلطة الدولة ومحاربة الفساد واستعادة هيبتها.
وهنا تبدو العلاقة بين الاحتجاجات وقطاع الطاقة أكثر تعقيداً؛ فالغضب الشعبي قد يكون نتيجة تراكم أزمات الكهرباء والوقود والسيولة والخدمات والفساد والانقسام السياسي، قبل أن يجد طريقه إلى المنشآت التي تمثل قلب الاقتصاد ومصدر الإيرادات الرئيسي للدولة.
ويحذر الدكتور خالد الزنتوتي، أستاذ التمويل في الجامعات الليبية، من أن تحويل المنشآت النفطية والغازية إلى ساحة للاحتجاج أو الاشتباك قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات. وقال الزنتوتي في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية” إن وقف تدفق النفط أو الغاز يشبه إطلاق النار على القدم، لأن المتضرر الأول من هذه الإجراءات هو المواطن الليبي الذي يعتمد على هذه الموارد في تشغيل محطات الكهرباء وتمويل الإنفاق العام، مشدداً على ضرورة تجنب توجيه الغضب الشعبي نحو المنشآت النفطية والغازية باعتبارها مقدرات لجميع الليبيين.
الكويت الان ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
