اليورو بين التحديات الهيكلية وسبل الاستدامة

اليورو بين التحديات الهيكلية وسبل الاستدامة

نشأة اليورو وتحديات التصميم

قبل نحو ربع قرن ظهر اليورو كمشروع طموح وحدّ من عملات عديدة تحت سقف نقدي واحد،aimed at unifying dozens of millions of citizens and linking diverse economies under a common monetary framework while reinforcing the European dream of integration and stability.

ورغم هذا الإنجاز التاريخي remained unsettled questions about what would happen if a member state fell into debt distress, who would bear the cost of rescues when markets trembled, and whether a monetary union could survive long‑term without a complementary fiscal union.

هذه الأسئلة هي محور كتاب “دورة الأزمات: تحديات وتطور ومستقبل اليورو” الذي يقدم قراءة نقدية لتاريخ العملة الموحدة منذ انطلاقتها عام 1999 حتى اليوم.

يرى مؤلفي الكتاب أن اليورو لم يصبح أقوى بعد أزماته المتكررة كما يعتقد كثيرون، بل بات أكثر هشاشة من الناحية المؤسسية لأن الحلول المؤقتة التي صُممت للطوارئ أصبحت جزءًا دائمًا من بنيته التشغيلية.

يشارك في التأليف ثلاثة خبراء يجمعون بين النظرية الاقتصادية والخبرة العملية: الاقتصادي الأمريكي جون كوكرين من مؤسسة هوفر، صاحب نظرية الأساس المالي لمستوى الأسعار، يوفر الإطار الفكري والتحليلي؛ لويس غاريكانو، أستاذ السياسات العامة بكلية لندن للاقتصاد وبرلماني أوروبي سابق، يدرس الأبعاد السياسية والاقتصادية؛ كلاوس ماسوش، الذي قضى مسيرته داخل البنك المركزي الأوروبي وشارك في مفاوضات إنقاذ اليونان، يقدم نظرة داخلية نادرة على عملية اتخاذ القرارات أثناء الأزمات.

دورة الأزمات والمخاطر الأخلاقية

يبدأ الكتاب بتحليل الأسس التي قام عليها اليورو عند تأسيسه: منح البنك المركزي الأوروبي تفويضًا واضحًا للحفاظ على استقرار الأسعار عبر أدوات السياسة النقدية التقليدية مع حظر مباشر لشراء الديون الحكومية؛ إخضاع الدول الأعضاء لقواعد مالية صارمة من خلال “ميثاق الاستقرار والنمو” الذي يحدد حدود العجز والدين العام؛ وتأكيد معاهدات الاتحاد على مبدأ “عدم الإنقاذ” أي عدم تحميل دولة عضو أعباء دولة أخرى.

كان الهدف من هذه القيود منع الحكومات من الإفراط في الاقتراض استنادًا إلى توقع تدخل البنك المركزي لإنقاذها لاحقًا.

لكن التصميم الأصلي احتوى، وفقًا للمؤلفين، على ثغرات جوهرية لم تظهر خطورة في ذلك الوقت: absence of an orderly framework for sovereign debt restructuring or declaring government default; permission for banks to hold large amounts of government securities and treat them as risk‑free assets, leading to concentrated exposure to sovereign debt; and lack of a common fiscal backstop able to provide rapid support to countries facing temporary market pressure.

هذه العيوب لم تكن نتيجة إهمال بل عكست الأجواء الفكرية والسياسية السائدة في تسعينيات القرن الماضي عندما كان الاعتقاد السائد أن الاقتصادات المتقدمة لن تواجه أزمات ديون سيادية شبيهة بتلك التي شهدتها الأسواق الناشئة.

التحديات بدأت في الظهور مبكرًا؛ ففي مطلع الألفية الجديدة تجاوزت فرنسا وألمانيا الحدود المسموح بها للعجز المالي دون مواجهة عقوبات فعالة، ما وجه ضربة قوية لمصداقية القواعد المالية الأوروبية.

منذ تلك اللحظة بدأ الانضباط المالي الذي أراده مؤسسو اليورو يفقد جزءًا مهمًا من قوته الردعية. ثم جاءت الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009 لتكشف هشاشة النظام بصورة أكبر.

في مواجهة اضطرابات الأسواق، وسّع البنك المركزي الأوروبي عمليات الإقراض للبنوك وقبل ضمانات أكثر خطورة، كان جزء كبير منها عبارة عن سندات حكومية. وفقًا للمؤلفين، أدى ذلك عمليًا إلى توفير تمويل غير مباشر للحكومات عبر النظام المصرفي.

نقطة التحول الحقيقية جاءت مع أزمة الديون السيادية الأوروبية بين عامي 2010 و2012. وجدت منطقة اليورو نفسها أمام احتمال انهيار مالي واسع النطاق في غياب مؤسسة مالية قادرة على لعب دور المقرض الأخير للحكومات، ما دفع البنك المركزي الأوروبي إلى التدخل بصورة غير مسبوقة.

يصف الكتاب تعهّد رئيس البنك المركزي الأوروبي آنذاك، ماريو دراغي، بفعل “كل ما يلزم” لحماية اليورو بأنه اللحظة الفاصلة في تاريخ العملة الموحدة. نجح هذا التعهد في تهدئة الأسواق وخفض تكاليف الاقتراض، لكنه في الوقت نفسه غيّر القواعد التي تأسس عليها الاتحاد النقدي.

من وجهة نظر المؤلفين، أصبحت الأسواق مقتنعة بأن البنك المركزي لن يسمح بانهيار أي حكومة عضو، ما قلّص الضغوط التي كانت تفرضها أسعار الفائدة على الحكومات ذات المديونية المرتفعة.

اتّساع هذا الاتجاه خلال السنوات اللاحقة مع توسع برامج التيسير الكمي التي يشتري فيها البنك المركزي السندات الحكومية والأصول المالية لضخ السيولة وخفض تكاليف التمويل. ومع جائحة كورونا تحولت هذه البرامج من أدوات استثنائية إلى جزء شبه دائم من السياسة النقدية الأوروبية.

ويطرح الكتاب فكرة محورية يطلق عليها اسم “دورة الأزمات”: كل أزمة تدفع السلطات الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية تمنع الانهيار الفوري، لكن هذه الإجراءات نفسها تخلق حوافز جديدة تزيد من احتمالات وقوع أزمات مستقبلية، وهكذا تدخل منطقة اليورو في حلقة متكررة من الأزمات والتدخلات والاعتماد المتزايد على الحلول الطارئة.

ويشرح المؤلفون هذه الظاهرة من خلال مفهوم “المخاطر الأخلاقية”. عندما تدرك الحكومات أن البنك المركزي سيتصرف إذا ارتفعت عوائد سنداتها إلى مستويات خطيرة، يتراجع الحافز للحفاظ على أوضاع مالية منضبطة. عندما تعلم البنوك أن السندات السيادية ستظل مدعومة ضمنياً من السلطات النقدية، فإنها لا تجد سبباً قوياً لتنويع محافظها الاستثمارية. وحتى المستثمرون يصبحون أقل ميلاً إلى معاقبة الحكومات المفرطة في الاقتراض عبر المطالبة بعوائد أعلى، لأنهم يفترضون مسبقاً وجود شبكة أمان أوروبية.

يحذر الكتاب من أن هذه الديناميكية تجعل النظام أكثر هشاشة مع مرور الوقت، حتى وإن بدا مستقراً على السطح، ويستشهد بارتفاع الدين العام في إيطاليا وتدهور المؤشرات المالية في فرنسا باعتبارهما مثالين على المخاطر الكامنة التي لا تزال تهدد منطقة اليورو.

مقترحات الإصلاح وعقبات التنفيذ

في الجزء الأخير ينتقل الكتاب من التشخيص إلى تقديم مقترحات إصلاحية يعتبرها ضرورية لضمان استدامة العملة الموحدة:

المقترح الأول: إنشاء مؤسسة مالية أوروبية أكثر قدرة على تقديم دعم مؤقت للدول التي تتعرض لضغوط في الأسواق، على أن يكون هذا الدعم مشروطاً بإجراءات إصلاحية واضحة، بهدف تخفيف العبء عن البنك المركزي الأوروبي ومنعه من أداء أدوار مالية تتجاوز مهمته الأصلية.

المقترح الثاني: إقامة آلية موثوقة لإعادة هيكلة الديون السيادية بحيث يبقى احتمال التعثر أو إعادة الجدولة قائماً، مما يعيد الانضباط إلى سلوك الحكومات والمستثمرين على حد سواء؛ فرؤية المؤلفين أن غياب هذا الخيار شجع على تراكم الديون بدلاً من معالجتها في مراحل مبكرة.

المقترح الثالث: إصلاح القواعد التنظيمية للقطاع المصرفي لكسر الحلقة المفرغة التي تربط البنوك بالحكومات؛ عندما تمتلك البنوك كميات ضخمة من سندات دولها، يتحول أي تدهور في الوضع المالي الحكومي إلى تهديد مباشر للاستقرار المصرفي، ومن ثم يدعو الكتاب إلى إلزام المؤسسات المالية بتنويع حيازاتها من الديون السيادية ومعاملة السندات الحكومية كأصول تحمل مخاطر حقيقية وليست خالية من المخاطر.

في الوقت ذاته يرفض المؤلفون خيارين يريان أنهما غير مناسبين: الأول هو الاتحاد المالي الكامل الذي ينقل صلاحيات مالية واسعة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والثاني هو إصدار سندات أوروبية مشتركة بشكل غير مشروط؛ بدلاً من ذلك يقترحون نموذجاً وسطياً يجمع بين السيادة المالية الوطنية والانضباط المؤسسي وآليات الدعم المحدودة والمشروطة.

رغم قوة الطرح يعترف المؤلفون بأن تطبيق هذه الإصلاحات يواجه عقبات سياسية كبيرة لأن الجهات المطلوبة لتنفيذ التغيير هي نفسها من أكثر المستفيدين من الوضع القائم، كما أن التجارب السابقة تشير إلى أن القادة الأوروبيين يفضلون غالباً الحلول السريعة خلال الأزمات على الإصلاحات الهيكلية طويلة الأجل.

في المحصلة يقدم “دورة الأزمات” قراءة عميقة ومتماسكة لأحد أهم المشاريع الاقتصادية في العصر الحديث؛ الكتاب لا يشكك في أهمية اليورو أو إنجازاته، لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة العملة الأوروبية على الاستمرار بالاعتماد على الأدوات الحالية.

بينما نجح اليورو في تجاوز كل اختبار واجهه حتى الآن، يرى المؤلفون أن بقاءه مستقبلاً لن يعتمد فقط على قدرته على النجاة من الأزمات المقبلة، بل على استعداد أوروبا لمعالجة نقاط الضعف البنيوية التي تراكمت داخله على مدى أكثر من ربع قرن.

الكويت الان ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك