كيف يصبح الاقتراض خطوة مالية ذكية؟
القرارات المالية التي يتخذها الأفراد تؤثر بشكل كبير على مستقبلهم الاقتصادي؛ فقد يبني قرار واحد الثروة ويحقق الاستقرار، بينما قد يؤدي قرار آخر إلى سنوات من الضغوط والالتزامات. ومن بين هذه القرارات يبرز الاقتراض كأحد أكثر الخيارات حساسية وجدلاً، حيث يُرتبط غالبًا بالتعثر والأعباء المالية المرهقة، ما جعل كثيرًا من الناس يعتبرون الديون عدواً للثروة.
الحالات التي يُعتبر فيها الاقتراض منطقياً
شراء منزل للسكن أو للاستثمار يُعد من أكثر أنواع القروض قبولاً اقتصادياً، خاصة عندما يكون القسط الشهري قريباً من قيمة الإيجار أو عندما تقع العقارات في منطقة مرشحة للنمو؛ فالمسكن قد يتحول إلى أصل يزداد قيمته مع مرور الوقت بدلاً من دفع إيجار لا يعود على صاحبه بأي ملكية.
الاستثمار في التعليم يُنظر إليه كأفضل استثمار طويل الأجل؛ إذ أن الاقتراض لتمويل دراسة جامعية أو شهادة مهنية أو برنامج تدريبي يزيد من فرص الحصول على وظيفة ذات دخل أعلى، مما يحول الدين إلى استثمار حيوي يحقق عائداً يفوق تكلفة القرض نفسه.
تمويل مشروع تجاري قد يكون القرض وسيلة للانطلاق في مشروع ناجح، بشرط وجود دراسة جدوى حقيقية وخطة مالية واضحة؛ ففي هذه الحالة لا يهدف التمويل إلى الاستهلاك بل إلى إنشاء مصدر دخل قادر على تغطية الأقساط وتحقيق أرباح مستقبلية، على الرغم من أن هذا النوع من الاقتراض يتطلب دراسة دقيقة للمخاطر.
إعادة هيكلة الديون يمكن أن يكون الاقتراض الجديد وسيلة لتقليل الأعباء المالية، وذلك عبر سداد قروض مرتفعة الفائدة بقرض واحد أقل تكلفة؛ فهذه الخطوة تساعد على تخفيض الأقساط الشهرية وتحسين إدارة التدفقات النقدية.
متى يصبح الاقتراض خطراً
يحذر الخبراء من الاقتراض لشراء كماليات وتمويل السفر أو المناسبات الاجتماعية، وكذلك شراء سيارات باهظة الثمن تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها بسرعة، واستخدام بطاقات الائتمان لسداد مصروفات يومية مع تراكم الفوائد، إضافة إلى الاقتراض لسداد قروض سابقة دون معالجة أصل المشكلة المالية.
في مثل هذه الحالات لا يكون الاقتراض حلاً للمشكلة بل وسيلة لتأجيلها؛ إذ يتحول الدين إلى عبء يتراكم مع مرور الوقت بدلاً من أن يساهم في تحسين الوضع المالي، ولذلك ينصح الخبراء بعدم الإقدام على أي قرض قبل الإجابة بوضوح عن مجموعة من الأسئلة الأساسية: هل سيؤدي القرض إلى تحقيق دخل إضافي أو زيادة قيمة أصولي؟ هل أستطيع الالتزام بسداد أقساط القرض حتى في حال تراجع دخلي بشكل مؤقت؟ هل تتناسب تكلفة فائدة القرض مع العائد المتوقع من الاقتراض؟ هل يوجد بديل أقل تكلفة من هذا القرض؟
عوامل يجب مراعاتها قبل الاقتراض
ويقول خبير المحاسبة زهير حماصيني إن المشكلة لا تكمن في القروض بحد ذاتها، بل في الثقافة المالية لدى المقترضين وآلية اتخاذ قرار الاستدانة؛ فالاقتراض ليس أداة جيدة أو سيئة بصورة مطلقة، وإنما تتحدد قيمته وفق الغاية التي يُستخدم من أجلها والعائد المتوقع منه، وقدرة المقترض على إدارة التزاماته، ولذلك يمكن للقرض أن يكون أحد أفضل القرارات المالية التي يتخذها الفرد إذا استند إلى حسابات دقيقة تُظهر أن العائد المتوقع من الأصل الممول سيتجاوز تكلفة التمويل، بينما عندما يُتخذ قرار الاقتراض بدافع الرغبة في تحسين مستوى المعيشة مؤقتاً أو مجاراة أنماط استهلاكية لا تتناسب مع الدخل، فإنه يتحول تدريجياً إلى عبء مالي يجعل جزءاً متزايداً من الدخل رهينة لخدمة الدين بدلاً من تنمية الثروة.
ويضيف حماصيني أن قرار تأجيل الاقتراض ليس دائماً الخيار الأكثر حكمة، لأن للانتظار كلفة اقتصادية قد يغفل عنها الكثير من الأفراد؛ فمثلاً قد يعني التأجيل خسارة فرصة استثمارية قادرة على تحقيق عائد يفوق تكلفة التمويل، أو قد يكون الأصل المراد شراؤه مرشحاً لتحقيق ارتفاعات في السعر، فإن الاقتراض يكون أكثر جدوى من الانتظار لسنوات لتأمين كامل المبلغ نقداً، مشيراً إلى أن الكثير من الأفراد يركزون على تكلفة الفائدة فقط، ويتجاهلون ما يُعرف بـ«تكلفة الفرصة البديلة»، أي العائد الذي كان يمكن تحقيقه لو تم استثمار الأموال في وقت أبكر.
ويؤكد حماصيني أن فهم العلاقة بين التضخم وأسعار الفائدة ونمو الدخل أصبح أمراً أساسياً قبل اتخاذ أي قرار بالاقتراض؛ إذ أن تجاهل هذه العوامل الثلاثة قد يجعل القرض يبدو مجدياً من الناحية النظرية، بينما يتحول في الواقع إلى عبء مالي، لافتاً إلى أن المقترض الذي يحصل على قرض بفائدة ثابتة قد يستفيد مع مرور الوقت إذا ارتفع دخله بما يتماشى مع التضخم، حيث ستتراجع الكلفة الحقيقية للأقساط مقارنة بدخله، أما إذا كان القرض مرتبطاً بفائدة متغيرة، فإن الصورة تختلف تماماً، لأن أي ارتفاع في أسعار الفائدة سينعكس ارتفاعاً في قيمة الأقساط، ما يزيد الأعباء المالية ويقلص القدرة على السداد، خصوصاً إذا لم يواكب الراتب هذه الزيادات.
من جهته يقول ميشال الخوري مستشار إدارة الثروات إن النقاش حول الاقتراض يركز غالباً على سؤال «هل أستدين أم لا؟»، بينما السؤال الأكثر أهمية هو «هل هذا هو الوقت المناسب للاستدانة؟»، فحتى القرض الموجه لشراء أصل جيد قد يتحول إلى قرار سيئ إذا جاء في توقيت اقتصادي غير مناسب، لافتاً إلى أن المستثمر أو الفرد يجب أن يقرأ الدورة الاقتصادية قبل التوقيع على أي عقد تمويل؛ ففي فترات ارتفاع أسعار الفائدة تتغير معادلة الجدوى بالكامل، لأن تكلفة التمويل قد تلتهم جزءاً كبيراً من العائد المتوقع، بينما في بيئة الفوائد المنخفضة يصبح الاقتراض أقل كلفة وأكثر قدرة على دعم الاستثمار.
ويؤكد الخوري أن التوقيت لا يرتبط فقط بأسعار الفائدة، بل أيضاً بمرحلة حياة المقترض؛ فالاقتراض في بداية الحياة المهنية يختلف عن الاقتراض قبل التقاعد، كما أن الاقتراض في ظل وظيفة مستقرة يختلف عن الاقتراض في قطاع يشهد تسريحات متكررة أو تباطؤاً اقتصادياً، مشدداً على أن الخطأ الشائع هو بناء قرار الاقتراض على الوضع الحالي فقط، بينما القرار الصحيح يجب أن يأخذ في الاعتبار ما قد يحدث خلال السنوات المقبلة، لأن القرض التزام طويل الأجل، في حين أن الظروف الاقتصادية قد تتغير عدة مرات خلال فترة السداد.
الكويت الان ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
