إسطنبول.. ذاكرة مائية تمتد عبر تسعة عشر قرنًا

إسطنبول.. ذاكرة مائية تمتد عبر تسعة عشر قرنًا

النظام المائي التاريخي لإسطنبول

تستذكر إسطنبول علاقة عميقة بالماء تمتد نحو تسعة عشر قرنًا، بدءًا من العصر الروماني مرورًا بالعهدين البيزنطي والعثماني، حيث لا تزال السدود والأقواس المائية شاهدة على تطور المدينة واعتمادها على هذا المورد الحيوي.

بدأ القصة في الفترة الرومانية بإنشاء أول شبكات لنقل المياه، وتطورت عبر العصور حتى بلغت أوجها في العهد العثماني من خلال نظام مياه قرقجشمه الذي صمم المعمار سنان.

يمتد هذا النظام من غابات بلغراد على أطراف المدينة إلى قلب إسطنبول، ويتضمن سدودًا وأقواسًا مائية وقنوات طويلة وآبار مراقبة وموازين للمياه، مكونًا شبكة هندسية متكاملة.

يوجد الحوض الرئيسي المعروف باسم (باش حوض) على عمق يقارب أربعة عشر مترًا، ووصفه سنان بأنه عميق بقدر برج غلطة؛ يستقبل هذا الحوض المياه القادمة من مساري شرقي وغربي قبل أن تدخل خط النقل الرئيسي.

الهندسة والمعمارية للأقواس والسدود

من أبرز المنشآت قوس ماغلوفا الذي يرتفع نحو ستة وثلاثين مترًا ويبلغ طوله حوالي مائتين وخمسين مترًا، مبنيًا على طبقتين ويعتبر نموذجًا بارعًا للهندسة المائية، يعكس مهارة سنان كمعماري ومهندس.

كما يشكل قوس بوزدوغان جزءًا من رموز إسطنبول منذ نحو ستة عشر قرنًا، ويعد أحد النقاط المهمة على مسار المياه التاريخية.

داخل المدينة، كان مقسم تقسيم نقطة محورية حيث تُقسم المياه الواصلة إلى إسطنبول إلى مسارات عدة لتُوجه إلى النوافير ونقاط التوزيع الأخرى، ومن هنا اكتسبت الساحة اسمها.

مع مرور الزمن وبسبب ازدياد الطلب، شُيدت سدود حديثة بينما تحولت السدود والأقواس والمقاسم التاريخية إلى جزء من التراث الثقافي للمدينة.

الأهمية الثقافية والدعوة للحفاظ

أوضح الأكاديمي قادر بكتاش من جامعة إسطنبول أن المياه لعبت دورًا حاسمًا في قيام المدن الكبرى، وأن إسطنبول امتلكت بنية تحتية مائية ضخمة جذورها في العصر الروماني.

وبيّن أن الحضارات المتتالية — من البيزنطيين إلى العثمانيين — طورت واستخدمت نفس الأساس المائي، وأن العثمانيين حافظوا على هذه البنية وعملوا على تطويرها؛ إذ أصلح السلطان محمد الفاتح المجاري المائية المتدهورة، وأمر السلطان سليمان القانوني بإنشاء نظام قرقجشمه لتلبية الحاجات المتزايدة.

أكد بكتاش أن النظام الذي أنجزه سنان كان أكبر منظومة مياه في إسطنبول، ينقل المياه من غابات بلغراد التي تبعد حوالي خمسة وخمسين كيلومترًا عبر شبكة واسعة ومترابطة من الأقواس والقنوات والآبار.

لفت إلى أن المنشآت شُيدت بأمر من السلطان سليمان لتلبية الطلب المتزايد، وأن المياه من الشرق والغرب تستقر في الحوض الرئيسي قبل أن تُدفع إلى خط النقل الرئيسي، ورغم أن هذا الحوض لا يحظى بشهرة واسعة اليوم فإنه يبقى أحد أهم العناصر غير المعروفة للمنظومة.

ذكر بكتاش أن قوس ماغلوفا يُظهر أن سنان لم يكن مجرد معماري كبير بل أيضًا مهندسًا بارزًا؛ فارتفاعه حوالي ستة وثلاثين مترًا وطوله مئتين وخمسين مترًا وبنيته من طبقتين يجعله من أهم الأعمال في العمارة المائية العثمانية والعالمية.

وأشار إلى أن منشآت مياه قرقجشمه واجهت كارثة طبيعية كبيرة بعد إنشائها، ولكن رغم مرور القرون لا يزال جزء مهم من السدود والمنشآت قائمًا، ما يدل على دقة الاستثمارات التي أجريت آنذاك.

وبيّن أن المياه لم تنقل فقط عبر الأقواس بل كانت تُوزع عبر أنابيب فخارية تحت الأرض، وبعد مرورها عبر موازين المياه تصل إلى المقاسم التي كانت من أهم نقاط توزيع المياه في المدينة.

لفت إلى أن الملايين يمرون يوميًا بجوار هذه المنشآت المائية التاريخية دون إدراك أنهم أجزاء من منظومة واحدة، واقترح إعداد لوحات تعريفية تشرح وظائفها وتاريخها لزيادة الوعي العام.

كما اقترح دمج نظام المياه التاريخية في إسطنبول ضمن السياحة الثقافية وإنشاء مسار سياحي خاص يتبع خط المياه التاريخي، معتبرًا أن ذلك سيكون مسارًا ذا قيمة كبيرة للمدينة.

وشدد على أن المجاري المائية التاريخية ليست منشآت مستقلة، بل يمكن قراءة تطور إسطنبول من خلال دراسة هذه المنظومة.

وفيما يتعلق بالعهد العثماني، أوضح أن المياه لم تكن مجرد مياه للشرب بل كانت في صميم الحياة الحضرية والاجتماعية.

وختم بحديثه بالقول إن من الضروري إحياء النوافير التاريخية التي تحمل اسم نظام مياه قرقجشمه، إما بإعادتها إلى وظيفتها الأصلية أو على الأقل بصورة رمزية، لحفظ ثقافة المياه في إسطنبول.

الكويت الان ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك