تونس تعتزم اقتراض 9.3 مليارات دولار.. تحذيرات من تداعيات التمويل المباشر من المركزي

تعيش تونس على وقع جدل اقتصادي ونقابي متصاعد، بعد كشف مشروع الموازنة العامة للعام 2027 عن اعتزام الحكومة اقتراض نحو 9.3 مليارات دولار لتمويل نفقات الدولة وسد احتياجات الخزينة العامة. ويتضمن هذا المبلغ قرضاً مباشراً من البنك المركزي التونسي بقيمة تصل إلى 3.26 مليارات دولار، وهو ما أثار تحذيرات من مخاطر تضخمية وضغوط على الاستثمار والقدرة الشرائية.
هيكل الاقتراض واحتياجات التمويل
وفقاً لمشروع الموازنة، تخطط الحكومة لجمع 6.68 مليارات دولار عبر القروض الداخلية، و2.29 مليار دولار من القروض الخارجية، إضافة إلى 466 مليون دولار من مصادر تمويل أخرى لم تحدد. وتبلغ قيمة الموازنة الإجمالية للعام 2027 نحو 22.96 مليار دولار، مقابل 21.19 مليار دولار في العام 2026، بزيادة نسبتها 8.37 بالمئة.
ولتتمكن الحكومة من تغطية جزء من احتياجاتها، ينص المشروع على استثناء أحكام الفصل 25 من القانون الأساسي للبنك المركزي التونسي. ويتيح هذا الاستثناء للمركزي منح الخزينة قرضاً يصل إلى 3.27 مليارات دولار دون فوائد، على أن يُسدّد خلال 15 عاماً، مع فترة إمهال تمتد ثلاث سنوات.
وكانت الحكومة التونسية قد اقترضت في العام 2024 نحو 2.22 مليار دولار من البنك المركزي، في حين تضمنت موازنة 2026 اقتراضاً مبرمجاً بنحو 3.7 مليارات دولار. ويأتي هذا التوجه في إطار اللجوء الرابع لتونس إلى التمويل المباشر من المركزي، بعد تعثر التوصل إلى اتفاق قرض مع صندوق النقد الدولي، وقرار الرئيس قيس سعيد التخلي عن السعي للحصول عليه.
تحذيرات نقابية من استمرار التمويل النقدي
في دراسة نشرها قسم الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل، حذّر الاتحاد من استمرار اعتماد الدولة على التمويل النقدي المباشر من البنك المركزي. وأوضح أن هذا التمويل بلغ 2.3 مليار دولار في كل من عامي 2024 و2025، مع برمجة تمويل إضافي بقيمة 3.67 مليارات دولار للعام 2026.
واعتبر الاتحاد أن هذا التوجه يمثل “حلاً ظرفياً مرتفع المخاطر في حال استمرار الاعتماد عليه”، خصوصاً مع مؤشرات إلى إمكانية مواصلته خلال العام 2027. واستناداً إلى أحد السيناريوهات الثلاثة التي عرضتها وكالة “فيتش”، أشار الاتحاد إلى أن وقف تسهيلات البنك المركزي قد يرفع نسبة الاقتراض الداخلي من 1.7 بالمئة إلى 6.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وحذّر من أن ذلك قد يدفع الدولة إلى زيادة اعتمادها على موارد البنوك التونسية، بما يزاحم القطاع الخاص ويستنزف موارد السوق المالية الداخلية. وأضاف أن هذه الوضعية قد تؤدي إلى ارتفاع كلفة التمويل، وتراجع قدرة البنوك على تمويل المؤسسات والأفراد، وزيادة تعرض الجهاز المصرفي للمخاطر السيادية، مع انعكاسات سلبية محتملة على الاستثمار والتشغيل والقدرة الشرائية.
ودعا الاتحاد إلى إعداد خطة وطنية عاجلة لاستباق الصدمات وإنعاش الاقتصاد، تتضمن استراتيجية واضحة لإدارة الدين العمومي وتحديد احتياجات التمويل متوسطة المدى. كما طالب بتنويع مصادر التمويل وآجاله، وتقييم كلفته ومخاطره، وإعداد بدائل في حال تراجع التمويل النقدي، إضافة إلى وضع سقف لتسهيلات البنك المركزي المخصصة لموازنة 2027 وربطها أساساً باعتمادات الاستثمار العمومي للحد من المخاطر النقدية والتضخمية.
مخاطر تضخمية ومزاحمة للقطاع الخاص
من جانبه، حذّر أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي من التداعيات المالية والتضخمية لاقتراض الدولة مجدداً من البنك المركزي. وقال الشكندالي في تصريحات للأناضول إن المشروع يعتمد بصورة مفرطة على الاقتراض الداخلي بقيمة 6.6 مليارات دولار لتغطية العجز وتسديد الديون. واعتبر أن الأخطر هو اللجوء للمرة الرابعة على التوالي إلى الاقتراض المباشر من البنك المركزي، بقيمة 3.2 مليار دولار، دون فوائد وعلى مدى 15 عاماً.
وأوضح أن ضخ هذه السيولة في الخزينة العامة دون غطاء إنتاجي حقيقي موازٍ لها يحمل مخاطر تضخمية مرتفعة، وقد يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للدينار التونسي. وحذّر أيضاً من مزاحمة القطاع الخاص وحرمانه من السيولة المصرفية الضرورية للاستثمار. وخلص الشكندالي إلى أن ذلك يعكس، وفق تقديره، هشاشة التوازنات المالية للموازنة واعتمادها على “مسكنات نقدية” بدلاً من تعبئة موارد حقيقية مستدامة.
تحفظ برلماني وتطورات التضخم
بدوره، أبدى عضو لجنة المالية بمجلس نواب الشعب عصام شوشان تحفظه على استمرار لجوء الدولة إلى البنك المركزي لتمويل عجز الموازنة. وقال شوشان في تصريحات لموقع “تونس الرقمية” إن هذا التوجه “قرار خاطئ وسيضر بالاقتصاد الوطني آجلاً أم عاجلاً”. واعتبر أن شروط الاقتراض المقترحة تشير إلى توجيه الأموال مباشرة لتمويل الموازنة، وأضاف أنه سيسعى، بالتنسيق مع وزيرة المالية، إلى طرح خيارات أخرى تضمن توجيه الأموال المقترضة من البنك المركزي إلى المؤسسات العمومية، محذراً من استخدام هذه الموارد في دعم الموازنة وسداد الأجور.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت سجلت فيه تونس ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 5.6 بالمئة خلال سبتمبر/أيلول 2026، مقابل 5.4 بالمئة في أغسطس/آب السابق له. ووفق بيانات نشرها المعهد الوطني للإحصاء مطلع أكتوبر/تشرين الأول، بلغت نسبة التضخم عند الاستهلاك العائلي 5.6 بالمئة في سبتمبر، بزيادة قدرها 0.2 نقطة مئوية عن الشهر السابق.
وفي نهاية يوليو/تموز الماضي، أبقى البنك المركزي التونسي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند مستوى 7 بالمئة. وقال البنك عقب اجتماع مجلس إدارته إنه قيّم التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية على الصعيدين المحلي والدولي، إلى جانب مسار التضخم والمخاطر المحيطة بآفاقه. وأشار إلى تعرض أسواق المواد الأولية، ولا سيما النفط، لتقلبات حادة، بعد عودة الأسعار إلى التذبذب خلال يوليو إثر تجدد التوترات في الشرق الأوسط والمخاطر التي تهدد إمدادات الطاقة. وأوضح أن أسعار الطاقة، رغم تراجعها، ظلت أعلى من مستوياتها السابقة، بما يغذي مخاطر التضخم، خصوصاً في اقتصادات الدول المستوردة للطاقة. ولفت إلى أن حالة عدم اليقين ومخاطر انتقال آثار صدمات أسعار الطاقة دفعت بنوكاً مركزية رئيسية إلى تبني سياسات نقدية حذرة، لتجنب استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة.




