مدرسة خوجه إسحاق أفندي بإسطنبول: منزل عثماني عمره 250 عامًا يتحول إلى صرح تعليمي عريق

لا يزال مبنى مدرسة خوجه إسحاق أفندي في مدينة إسطنبول يحمل في جدرانه ذاكرة تاريخية تمتد لنحو قرنين ونصف القرن. هذا المبنى الذي كان في البداية منزلاً يطل على خليج القرن الذهبي، تحول مع مطلع القرن العشرين إلى فضاء تعليمي يواصل رسالته منذ العام 1912. ورغم ما تعرض له من حرائق وتعديلات على مر الزمن، ما زالت تفاصيل من تاريخه الطويل حاضرة في كل ركن، بدءاً من صهريج المياه والبئر وصولاً إلى الطوب الذي لا يزال يحمل أختام المصانع التي صنعته.
منزل عثماني يطل على القرن الذهبي
شُيد المبنى في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ليكون مسكناً لرجل يهودي يُدعى شاهباز، في موقع مرتفع يطل على خليج القرن الذهبي الشهير. وتعكس التفاصيل المعمارية طبيعة البناء في تلك الحقبة، حيث يبلغ سمك الجدران الخارجية نحو 50 سنتيمتراً، بينما يصل ارتفاع الطابق الواحد إلى 4.3 أمتار. وفي العقود التالية، استُخدم المنزل لإقامة ضيوف أجانب وشخصيات من الجهاز البيروقراطي في الدولة العثمانية. وكان من بين أبرز من أقاموا فيه باش خوجه إسحاق أفندي، العالم الذي حملت المدرسة اسمه لاحقاً، والذي لعب دوراً محورياً في تطوير تدريس العلوم الحديثة في الدولة العثمانية. وقد تولى إسحاق أفندي منصب كبير المدرسين في مهندسخانه برّي همايون، وهي المدرسة السلطانية للهندسة البرية كمؤسسة تعليمية عسكرية. واشتغل بالرياضيات وميادين علمية أخرى، وساهم في نقل المعارف العلمية وتطوير مناهج تدريسها في عصره. وبعد أن انتهت فترة إقامته، ظل المنزل مسكناً لأفراد من أسرته، ثم استُخدم لإقامة أجانب وموظفين عثمانيين آخرين، قبل أن ينتقل إلى ملكية خزينة الدولة. ومع مطلع القرن العشرين، انتهت وظيفة المنزل السكنية التي استمرت قرابة مئتي عام، ليبدأ فصل جديد من تاريخه.
أكثر من قرن في خدمة التعليم
في العام الدراسي 1912-1913، افتُتح المبنى كمدرسة تحت اسم مدرسة خوجه إسحاق أفندي النموذجية للبنين. ومنذ تلك اللحظة، تحول المنزل التاريخي المطل على القرن الذهبي إلى فضاء للتعليم. ومع التحولات التي شهدها نظام التعليم في السنوات الأولى للجمهورية التركية، تغير اسم المدرسة عدة مرات. ففي العام الدراسي 1924-1925، حملت اسم المدرسة الأولى في بك أوغلو، ثم أصبحت المدرسة الابتدائية الأولى في هاليجي أوغلو خلال العام الدراسي 1939-1940. ومنذ العام الدراسي 1945-1946، عُرفت باسم المدرسة الابتدائية الأولى في بك أوغلو، قبل أن تستعيد اسم خوجه إسحاق أفندي في العام الدراسي 1948-1949. كما قدمت في إحدى مراحلها دروساً مسائية للمرحلة الابتدائية. ولمواجهة الإقبال المتزايد الذي عجز المبنى القديم عن استيعابه، شُيد مبنى مدرسي جديد ودخل الخدمة في العام 1961. وفي مرحلة لاحقة، أصبحت المؤسسة تُعرف باسم مدرسة خوجه إسحاق أفندي للتعليم الأساسي، إلى أن تحولت في العام الدراسي 2012-2013 إلى مدرسة خوجه إسحاق أفندي الإعدادية للأئمة والخطباء، وهو اسمها الحالي.
حريق وترميم شامل يعيدان الروح للمبنى
لم ينجُ المبنى من تقلبات الزمن، ففي العام 1982 اندلع حريق ألحق به أضراراً كبيرة، قبل أن تعيده أعمال إصلاح وترميم إلى الخدمة التعليمية. ومع مرور السنوات، طالت بعض التغييرات عناصره الأصلية، فاستُبدلت النوافذ الخشبية بأخرى بلاستيكية، وأُجريت تعديلات على أجزاء من البناء. وفي العام 2019، خضع المبنى لعملية ترميم واسعة بإشراف لجنة أكاديمية متخصصة، بهدف الحفاظ على طابعه التاريخي وإزالة التدخلات التي أُضيفت إليه في مراحل سابقة. وأُعيدت النوافذ الخشبية إلى مواضعها، وأُرجعت الأحجار إلى أماكنها، فيما كُشف عن تفاصيل معمارية كانت قد حُجبت بسبب التعديلات السابقة. ولم يقتصر العمل على إصلاح الأضرار، بل سعى إلى إظهار ملامح المبنى الأصلية والحفاظ على الشواهد التي تحملها جدرانه.
آثار الماضي حاضرة في كل زاوية
وخلال الترميم، جرى الاهتمام بشكل خاص بالتفاصيل التي بقيت من تاريخ المبنى الممتد لنحو قرنين ونصف. ففي بعض المواضع، تُركت أجزاء من الجدران مكشوفة لإظهار الطوب القديم المستخدم في البناء. ولا تزال على بعض قطعه أختام المصانع التي أنتجته، بما يتيح رؤية علامات أصلية من مرحلة تشييد المبنى. كما تحتفظ الأعمدة وانحناءات النوافذ وطريقة توزيع عناصر البناء بملامح معمارية قديمة. وبين هذه التفاصيل، يبرز صهريج المياه والبئر بوصفهما من أهم العناصر التي بقيت منذ الفترة التي كان فيها المبنى منزلاً سكنياً. أما في الأجزاء السفلية، فلا تزال بعض آثار الاستخدام المنزلي حاضرة، إذ يمكن مشاهدة الخطاطيف الموجودة في المخزن القديم، الذي كان يُستخدم لحفظ المؤن والأغراض المنزلية. وهكذا، لا تقتصر ذاكرة المبنى على الجدران والأعمدة، بل تمتد إلى تفاصيل صغيرة من الحياة التي دارت داخله.
وفي تصريح لوكالة الأناضول، قال نائب مدير المدرسة أنكين يولجو إن المبنى لا يزال يحتفظ بآثار مهمة من ماضيه، رغم الحرائق والأضرار التي تعرض لها. وأضاف أن كل من يزور المدرسة يستطيع رؤية تفاصيل البناء القديم، ومنها الأختام الموجودة على بعض قطع الطوب، التي تشير إلى المصانع التي صنعتها. وأشار يولجو إلى أن وجود الصهريج والبئر يُعد من أبرز الخصائص التي تميز المدرسة. ولا تنحصر قيمة المبنى، بالنسبة ليولجو، في عمره أو خصائصه المعمارية، بل تمتد إلى الأثر الذي يتركه في العاملين فيه. وقال إن العمل داخل مبنى تاريخي يمنح شعوراً مختلفاً، لأن المكان يحتفظ بحكايات تتجاوز وظيفته الحالية. واختتم حديثه قائلاً إن المبنى له روح وطابع يجعلان من يدخله يرتبط به ويرغب في قضاء وقت أطول داخله وإنجاز مزيد من العمل.




