كيف تحول الإيتريوم إلى ورقة ضغط بيد بكين في الصراع التكنولوجي مع واشنطن

كيف تحول الإيتريوم إلى ورقة ضغط بيد بكين في الصراع التكنولوجي مع واشنطن

تتحول المعادن الأرضية النادرة من مجرد عناصر مدفونة في قشرة الأرض إلى أوراق ضغط جيوسياسية تُخنق الصناعات التكنولوجية والدفاعية في جميع أنحاء العالم.

التشديد على الصادرات وتأثيره على الصناعات

مع تشديد بكين لضوابط التصدير على معادن حيوية مثل الإيتريوم والغاليوم والجرمانيوم، وجد القطاع الصناعي العالمي نفسه أمام حقيقة قاسية؛ فالوضع بات يُشبه «حرب تكسير عظام» تستهدف عمق الأمن القومي للدول الغربية التي استيقظت متأخرة على حقيقة فقدانها لصناعات التكرير والمعالجة التي تنازلتها طواعية لصالح التنين الصيني على مدى عقود.

هذا التشديد الصارم، الذي تصفه بكين بأنه تنظيم قانوني لحماية أمنها القومي والوفاء بالتزاماتها الدولية، أحدث هزات ارتدادية سريعة في أروقة الشركات الكبرى؛ من مصانع السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، إلى عملاقة الصناعات الدفاعية الأميركية التي تعيش حالة من الذعر والتحذيرات بوقف الإنتاج واللجوء إلى السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية.

شكلت هذه الإجراءات اختباراً حقيقياً كشف عن هشاشة «الهدنة المؤقتة» بين واشنطن وبكين، وأظهرت كيف يمكن لغرامات قليلة من معدن مثل الإيتريوم أن تتحول إلى نقطة اختناق قاتلة تهدد بوقف عجلة الابتكار العالمي والتحول الأخضر بأسره.

تحذيرات من نقص الإمدادات ودعوات للاستقلال الاستراتيجي

في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» إلى أن ضوابط بكين على صادرات العناصر الأرضية النادرة والمعادن المتخصصة الأخرى تؤدي إلى تشويه الأسواق وتأجيج النزعة القومية للموارد.

ويوضح التقرير أن الصين تُنتج الغالبية العظمى من الإيتريوم، إلى جانب العديد من المعادن الأخرى المستخدمة في عمليات التصنيع العالمية؛ ومع تصاعد حربها التجارية المتبادلة مع الولايات المتحدة، شددت بكين القيود على وصول إمداداتها من المعادن الحيوية؛ وتشمل هذه المعادن الغاليوم، المستخدم في أنظمة الرادار، والجرمانيوم، المستخدم في التصوير الحراري؛ والإيتريوم، بحسب أحد موردي صناعة أشباه الموصلات، يمثل «نقطة الاختناق القاتلة»، ويضيف: «نحن نواجه خطراً وجودياً.. وحتى الآن، لا يوجد موعد محدد لامتلاك سلسلة توريد خالية تمامًا من المخاطر».

وينقل التقرير عن الرئيس التنفيذي لشركة Phoenix Tailights الأميركية الناشئة والمتخصصة في المعادن الأرضية النادرة، نيك مايرز، قوله: إن محدودية الإمدادات تسببت في حالة من الذعر خلال الأشهر القليلة الماضية؛ وشركات الدفاع والسيارات وأشباه الموصلات تتصل باستمرار، ويحذر بعضها من أنها قد تضطر إلى وقف الإنتاج بحلول عيد الميلاد إذا لم تتمكن من الحصول على المعدن.

وحتى قبل فرض بكين قيودًا على الصادرات، كان الخبراء يحذرون من أن تقادم المناجم وارتفاع الطلب على المعادن الأساسية للكهرباء والذكاء الاصطناعي قد يؤديان إلى نقص في المعروض؛ والآن، تشعر الدول الغربية بآثار فقدان صناعة معالجة المعادن التي كانت سعيدة بانتقالها إلى الصين، وهي صدمة أثارت حالة من الذطر في السوق وظهور نزعة قومية جديدة للموارد.

رداً على ذلك، تتسابق الدول، بقيادة الولايات المتحدة، لتطوير سلاسل إمداد مكتفية ذاتياً عبر تأمين الوصول إلى المعادن وبناء صناعات تعدينية محلية، مصوِّرةً القضية على أنها مسألة «سيادة» وأمن قومي؛ لكن هذا النهج -بحسب تقرير الصحيفة البريطانية- ينطوي على مخاطره الخاصة إن لم يُنفَّذ بحذر، بدءاً من مزيد من التشوهات في الأسواق الصغيرة للمعادن المتخصصة، وصولاً إلى دبلوماسية معدنية تقسم العالم إلى مجالين متنافسين: أميركي وصيني.

تحليل الخبراء وتوصيات لمواجهة الأزمة

من جانبه، يقول كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية»: تشديد الصين الرقابة على صادرات المعادن الحيوية لا يمثل حظراً شاملاً على التصدير، لكنه يفرض قيوداً تجعل الحصول على هذه المواد أكثر بطئاً وكلفة وأقل قابلية للتوقع، نتيجة تشديد إجراءات تراخيص التصدير، والتحقق من المستخدم النهائي، وارتفاع احتمالات رفض بعض الشحنات الموجهة إلى شركات أو قطاعات بعينها.

ويُضيف أن الإجراءات التي شددتها بكين، خاصة فيما يتعلق بالمواد ذات الاستخدام المزدوج، رفعت مستوى الحذر لدى الشركات الأميركية والصناعات المعتمدة على هذه المعادن؛ ويتوقع أن يظهر الأثر بصورة واضحة في القطاعات التي تعتمد على كميات محدودة من المعادن النادرة، لكنها لا تستطيع مواصلة الإنتاج من دونها؛ والصناعات الأكثر تأثراً تشمل السيارات، والسيارات الكهربائية، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الطاقة المتجددة، ولا سيما البطاريات وشبكات الكهرباء.

ويشير صليبي إلى أن الصين لا تهيمن فقط على إنتاج هذه المعادن، بل تتركز لديها أيضاً عمليات التكرير والمعالجة، وهو ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات يرفع تكلفة التحول نحو الطاقة النظيفة ويؤخر تنفيذ العديد من المشروعات؛ ويضيف أن الصناعات الجوية والدفاعية ستكون من بين أكثر القطاعات حساسية لهذه القيود، نظراً لاعتمادها على المعادن النادرة في تصنيع المكونات الإلكترونية المتقدمة، وأنظمة الملاحة، والمحركات، ما قد يحول القضية من مجرد ملف تجاري إلى قضية ترتبط بالأمن القومي.

ويتوقع أن تمتد التداعيات إلى صناعات الإلكترونيات والاتصالات، والهواتف الذكية، والروبوتات، وأجهزة الليزر، وحتى المعدات الطبية، مع احتمالات ارتفاع تكاليف المكونات وظهور نقص في بعض المواد المتخصصة.

ويلفت صليبي إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في استخراج المعادن فحسب، بل في هيمنة الصين على مراحل التكرير والمعالجة، مشيراً إلى أن بكين تستحوذ على ما يقارب ثلثي إنتاج المعادن النادرة عالمياً، وهو ما يجعل إيجاد بدائل سريعة أمراً بالغ الصعوبة في حال استمرار القيود أو تشديدها.

ويتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى اتساع الفجوة بين أسعار المعادن داخل الصين وخارجها، بما يمنح المصانع الصينية ميزة تنافسية إضافية، في مقابل ارتفاع الأسعار في أوروبا والأسواق الأخرى نتيجة نقص الإمدادات.

ويختتم صليبي حديثه بالقول: إن الشركات والحكومات ستتجه خلال المرحلة المقبلة إلى إعادة صياغة استراتيجياتها، عبر تنويع مصادر التوريد، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، وتوسيع الاستثمارات في المناجم ومرافق التكرير داخل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأوروبا واليابان، مع الاعتماد بشكل أكبر على العقود طويلة الأجل؛ ويضيف أن هذه الحلول تتطلب استثمارات ضخمة وسنوات من العمل، ولن تقدم معالجة فورية لأزمة الإمدادات.

الكويت الان ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك