أحمد شوقي بين الإنسان والشاعر

أحمد شوقي بين الإنسان والشاعر

شوقي الإنسان

روى الصديق الشاعر يوسف الكندري أنه اطلع على مقالة جميلة للأديب عبدالعزيز البشري، وردت في كتابه «المرآة»، ركز فيها على جانب أحمد شوقي الإنساني، فصّل أخلاقه وعاداته وصفاته، ولفت إلى تفاصيل حركاته وسكناته بحيث يشعر القارئ وكأنهجالس أمام الشاعر ويستمع إلى حديثه. وأوضح البشري أنه كلما اقترب من تجربة شوقي الشعرية وعبقريته فضل أن يتجنب الخوض فيها، ويؤكد للقراء أنه يقف عند حدود وصف الإنسان فقط، قائلاً: «أما أنا فأصف لكم شوقي الإنسان».

شوقي الشاعر وإبداعه

أما أنا فأختار أن أصف شوقي من خلال شعاعه الشعري وبريق قصائدي، فالحديث عن شعره يشبه طريقاً تعرف بدايةً ولا ترى نهايته، إذ لم يكن أمير الشعر مقيداً بغرض واحد ولا أسيراً لموضوع محدد، بل كان يتنقل بين أبواب الشعر как ماهر قادر، يفتح القصور بالمدح فيبدع، ويصف فيرسم، ويرثي فيبكي، ويستدعي التاريخ وكأنه عاشه وتفاصيل شخصياته، وحين يرتقي إلى مقام النبوة تبدو كلماته كما لو أنها تتطهر بمسكنة السيرة العطرّة فتصفو وترتقي، ويصل بيانه إلى درجة تجعل إمارة الشعر تأتيه متبختراً ومحمولاً له وحده.

تأثير الثقافة الإسلامية على شعره

وقد لفت انتباهي دراسة سابقة للدكتورة سعاد عبدالوهاب عبدالكريم، التي شغلت سابقاً منصب عميدة كلية الآداب بجامعة الكويت، وعنوانها «إسلاميات أحمد شوقي». كشفت تلك الدراسة عن مدى تأثير الثقافة الإسلامية والقرآنية في شعر شوقي، مما يوضح أن عظمة الشاعر لا تنشأ من وزن وقافية فحسب، بل من ثقافة واسعة، ذاكرة حاضرة، عين فاحصة، وعقل مبدع، ليكتمل التاج بموهبة تصوغ الكلمات إلى شعر.

إرث شوقي المستمر

ويظهر ذلك جلياً في قدرته الفريدة على تحويل موضوع عابر إلى قصيدة عميقة؛ فعندما كرم بطل رفع الأثقال المصري السيد نصير، كان من السهل أن يقتصر القول على تهنئة لحامل الحديد المتفوق على منافسيه، لكن شوقي لم يرَ في المشهد مجرد رجل يرفع حديداً، بل رأى وراءه أثقال الحياة، فافتتح القصيدة بالبيت:

شَرَفاً نُصَيرُ اِرفَع جَبينَكَ عالِياً
وَتَلَقَّ مِن أَوطانِكَ الإِكليلا

ثم انتقل من حديد نصير إلى سؤال عن حديد أثقل وأثقال هي الأثقال، فذكر البيت الذي يعبر عن التخلص:

قُل لي نُصَيرُ وَأَنتَ بَرٌّ صادِقٌ
أَحَمَلتَ إِنساناً عَلَيكَ ثَقيلا

وأتبع ذلك بأسئلة تُذيب الحديد: هل حملت دَينا؟ هل حملت غِلا في الضلوع؟ هل حملت ظلم قريب غادر؟ ثم ختم بعبقريته، مع مراعاة عجز البطل عن الإجابة:

تِلكَ الحَياةُ وَهَذِهِ أَثقالُها
وُزِنَ الحَديدُ بِها فَعادَ ضَئيلا

وبهذا انتقل من رفع الأثقال إلى أثقال الحياة، ومن قوة الساعد إلى قوة الاحتمال، ومن الحديد الذي يرفع بالعضلات إلى هموم أثقل من الجبال؛ هنا تكمن العبقرية في الموهبة التي ترى في الحادثة الصغيرة معنى عظيماً وفي الخبر العابر قصيدة، ويحقق شوقي ذلك بسهولة ويسر دون تكلف أو حشو.

ولهذا أظن أن دراسة شوقي لن تنتهي، وستستمر في جذب كل من يبحث عن جودة المعنى وجمال السبك وعمق الفكرة، وسيجد كل لؤلؤة منثورة بين لغته وصوره وتاريخه وإسلامياته ومسرحه ونثره.

إن كان البشري قد أمسك مرآته ووصف لنا شوقي الإنسان، فإن شوقي الشاعر يحتاج إلى مرايا كثيرة؛ ففي كل حرف نور وفي كل قصيدة ندى، ولكل بيت صدى، وسيبقى ذلك ليوم النشور.

الكويت الان ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك