خبير يحذر من ارتدادات اجتماعية لأزمة الطاقة في أوروبا

أسباب تعقيد أزمة الطاقة في أوروبا
يشير الخبير في مجال الطاقة الحسين اليمني إلى أن الخيارات المتاحة أمام أوروبا للتعامل مع أزمة الطاقة محدودة، وأنها لم تحسن حساباتها في إدارة الأزمة مع روسيا. ويضيف أن حرب أوكرانيا والتوترات المتعلقة بإيران تزيدان من تعقيد موقف الطاقة في القارة، وأن الاعتماد الكبير على مصادر طاقة تسيطر عليها دول أخرى أصبح نقطة ضعف استراتيجية. ويؤكد أن أمن الطاقة تحول إلى عنصر أساسي ضمن الأمن الاقتصادي والجيوستراتيجي للدول.
تأثيرات اجتماعية واقتصادية
في مقابلته مع وكالة الأناضول، يوضح الخبير المغربي أن أوروبا كانت أمام خيار معين لتفادي تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، خصوصا أن روسيا تعد من الموردين الأساسيين للنفط والغاز، وأن الاعتماد الكبير على الطاقة الروسية كان يوفر لها وضعًا مريحًا نسبيًا لتلبية احتياجاتها الطاقية. ويذكر أن صدمة النفط تستمر في ضرب الدول الأوروبية بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حظر أو قيود على صادرات الديزل، وصعوبة إيجاد بدائل لاستبدال النفط الروسي، إضافة إلى اضطراب إمدادات النفط نتيجة الحرب الأمريكية على إيران.
رغم إعلان قادة مجموعة السابع في 2 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي عن اتفاق لإفراج منسق عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية عبر وكالة الطاقة الدولية، يبدأ فورا ويستمر أربعة أشهر مع توفير كميات كبيرة من الديزل في أول عشرين يوما، فإن الخطوة السابقة بسحب 400 مليون برميل في مارس/ آذار الماضي لم تنجح في خفض الأسعار. وتشهد أسعار النفط العالمية تقلبات حادة amid اضطراب الإمدادات واستهداف بعض الناقلات في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات إمدادات الطاقة والسلع عالميا.
ومنذ أبريل/ نيسان الماضي، فرضت إيران قيودا على حركة الملاحة في المضيق تشمل تحديد مسارات بديلة للعبور واشتراط الحصول على إذن مسبق من القوات البحرية التابعة للحرس الثوري، وسط حوادث استهداف لسفن تجارية. ويؤكد اليمني أن الحرب الأمريكية على إيران والعقوبات المفروضة على روسيا غيّرتا وضع الطاقة في أوروبا بشكل كبير، ووضعت القارة أمام أزمة طاقة انعكست على ميزانياتها واقتصاداتها، إلى جانب التداعيات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
ويتابع أن ما زاد من تعقيد الوضع هو ما يحدث في الخليج، الذي كان يمثل نوعا من المتنفس سابقا، لكن التطورات الحالية جعلت هذا المجال نفسه أكثر تعقيدا. وتتفاقم المخاطر مع تكثيف جماعة الحوثي اليمنية هجماتها بالصواريخ والمسيّرات ضد مراكز طاقة وخطوط نقل نفط بالسعودية، ما حول الخليج من منفذ بديل للنفط الروسي إلى بؤرة اضطراب تضاعف أزمة الإمدادات والضغوط الاقتصادية على أوروبا.
ويعتبر اليمني أن أزمة الطاقة تفرز ارتدادات على المستوى الاجتماعي في عدة دول أوروبية، منها فرنسا وبلجيكا، إذ أصبحت قضية الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة ذات تأثير واضح على المجتمع. ويوضح أن الأزمة تجمع بين ارتفاع الإنفاق العسكري من جهة وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة من جهة أخرى، ما ينعكس في النهاية على المواطنين الأوروبيين ويؤدي إلى مظاهرات واحتجاجات اجتماعية.
وتشهد عدة دول أوروبية أبرزها فرنسا وإيطاليا والبرتغال موجة احتجاجات تتداخل فيها الضغوط المعيشية مع أزمات السكن والتعليم وخفض الإنفاق العام، مما يعكس تصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على شرائح واسعة من السكان. والسبت، شهدت فرنسا والبرتغال وبلجيكا وإيطاليا وألبانيا احتجاجات متفاوتة الحجم، كان ارتفاع تكاليف المعيشة من أبرز دوافع بعضها، إلى جانب أزمة السكن والسياسات التعليمية والاعتراض على تخفيضات الميزانية والإنفاق العام.
وفي فرنسا، شارك نحو 550 ألف شخص في احتجاجات وفق وزارة الداخلية، بينما قدّر المنظمون عدد المشاركين بنحو 800 ألف، وسط مطالب تتعلق بمكافحة عدم المساواة ورفض خفض الإنفاق العام وارتفاع تكاليف المعيشة. كما تظاهر عشرات الآلاف في العاصمة البرتغالية لشبونة احتجاجا على الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وتفاقم أزمة السكن، بينما شهدت إيطاليا احتجاجات مماثلة على غلاء المعيشة، في مؤشر على اتساع نطاق الضغوط الاجتماعية بالتزامن مع التحديات الاقتصادية التي تواجهها القارة.
آفاق وحلول محتملة
ويقول اليمني إن ربما تؤدي أزمة روسيا وأوكرانيا إلى سقوط حكومات في عدد من الدول الأوروبية، وربما تمتد تداعياتها إلى دول خارج أوروبا أيضا. ويذكر أن روسيا تشن هجوما عسكريا على أوكرانيا منذ 24 فبراير/ شباط 2022، وتشترط لإنهائه تخلي كييف عن الانضمام إلى تكتلات عسكرية غربية، وهو ما تعتبره الأخيرة “تدخلا” في شؤونها.
ويرى الخبير أن العالم يعيش أزمة جيوسياسية واضحة، وأن الدول أصبحت تبحث بشكل متزايد عن ضمان أمنها واستمراريتها ومصادر الطاقة الأساسية التي تحتاج إليها. ويؤكد أن “الاعتماد الكبير على مصادر الطاقة التي تسيطر عليها دول أخرى يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية”. ويشير إلى أن العالم دخل مرحلة جديدة في النظام الدولي للطاقة، أصبحت فيها مسألة أمن الطاقة جزءا أساسيا من الأمن الاقتصادي والجيوسياسي للدول.
ويوضح أن الحروب والصراعات، سواء الحرب الروسية الأوكرانية أو الحرب الأمريكية على إيران، تتسم باستهداف قطاع الطاقة الذي أصبح جزءا من أدوات الصراع. ويشرح أنه في الحرب الروسية الأوكرانية لم يقتصر الأمر على استهداف مواقع عسكرية، بل طالت الهجمات أيضا مصافي تكرير النفط والمنشآت المرتبطة بالطاقة، فيما أصبحت المنشآت النفطية والبنية التحتية للطاقة في الخليج أهدافا محتملة في أي تصعيد عسكري.
برأي اليمني، فإن أوروبا لم تحسن حساباتها في إدارة الأزمة مع روسيا، خصوصا أنها منطقة فقيرة نسبيا من حيث إنتاج النفط، وكثيفة السكان، وتتمتع بمستوى مرتفع من الرفاه الاجتماعي. ويقول إن الدعم الأوروبي لأوكرانيا في مواجهة روسيا أدى إلى تداعيات اقتصادية وطاقية كبيرة على الكتلة الأوروبية، معتبرا أن إدارة أوروبا لعلاقتها مع روسيا في ظل الأزمة الأوكرانية “كانت فاشلة”.
ويعتقد أن الخيارات التي تملكها أوروبا بشأن أزمة الطاقة محدودة، قائلا إن عليها التفكير في إعادة بناء علاقاتها مع روسيا والعمل على إيجاد حل للخلاف بشأن الحرب في أوكرانيا، في ظل ضبابية مستقبل الطاقة دوليا. ويؤكد أن استمرار الوضع الحالي يشكل ضررا على أوروبا.
وقبل يومين، قفزت أسعار الغاز في أوروبا إلى 96.3 دولارا لكل ميغاواط/ساعة، مسجلة أعلى مستوى منذ ديسمبر/ كانون الأول 2022، وسط استمرار التوتر في مضيق هرمز ومخاوف بشأن انخفاض مستويات التخزين في القارة.
وبحسب بيانات معهد الإحصاء الأوروبي “يوروستات”، يعتمد الاتحاد الأوروبي على الخارج لتغطية 96 بالمئة من احتياجاته النفطية و85 بالمئة من الغاز. وتبلغ مخزونات الغاز في دول الاتحاد الأوروبي نحو 71.5 بالمئة حتى أكتوبر الجاري، مقابل متوسط موسمي يقدر بنحو 92 بالمئة، وفق منظمة البنية التحتية للغاز في أوروبا (خاصة).
وشكلت واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة نحو 57 بالمئة من إجمالي الإمدادات، عقب تراجع الإمدادات القادمة من دول الخليج إثر اندلاع الحرب على إيران. وتتعمق الأزمة مع زيادة اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي المسال بعد تراجع إمدادات الغاز الروسي منذ بدء الحرب في أوكرانيا.




