تخطَّ إلى المحتوى
الجمعة 23 أكتوبر 202612 جمادى الأولى 1448 هـ13:59 الكويتالعصر 14:46 36° صحود.ك = 3.224 $
موسم الوسم — متبقٍ 45 يوم
أخبار الكويت و الخليج و العالم
صحيفة إلكترونية كويتيةالجمعة 23 أكتوبر 2026
الآن

“البوابة الذهبية” في إسطنبول.. 1600 عام من الانتصارات والتحولات

“البوابة الذهبية” في إسطنبول.. 1600 عام من الانتصارات والتحولات

في قلب إسطنبول، وتحديداً في القسم الجنوبي من الأسوار البرية التاريخية بمنطقة “يدي كوله”، تقف البوابة الذهبية شامخةً كأحد أبرز المعالم التي تروي تاريخاً يمتد لنحو 1600 عام. هذه البوابة، التي عُرفت أيضاً باسم “ألطون قابي” في المصادر العثمانية، شهدت عبور الأباطرة وجيوشهم تحت أقواسها، لاستعراض الانتصارات أمام سكان المدينة، قبل أن تضيق ممراتها وتُسد بالحجارة، لتتحول من بوابة احتفالية إلى جزء من قلعة عثمانية محصنة.

بوابة الأباطرة وطريق النصر

ارتبط ظهور البوابة الذهبية بتوسع المدينة في عهد الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس وإنشاء الأسوار البرية. وتُعرف باللاتينية باسم “بورتا أوريا”، أي البوابة الذهبية، وهو الاسم الذي لم يعنِ تغطيتها بالذهب، بل ارتبط بالحروف والزخارف المذهبة التي زينت نقوشها، والتي لم تصل إلى العصر الحديث بحالتها الأصلية. تميزت البوابة بضخامة تصميمها وواجهتها المكسوة بالرخام الأبيض والزخارف المذهبة، لتعكس هيبة الإمبراطورية البيزنطية.

كانت البوابة تقع على مسار احتفالي يُعرف باسم “طريق النصر”، حيث تسلكه مواكب الأباطرة والجيوش عند دخول العاصمة أو مغادرتها. وفي هذا السياق، قال الأكاديمي ومؤرخ الفن التركي ياسين صايغلي للأناضول إن البوابة القائمة اليوم ليست أول بوابة حملت هذا الاسم في تاريخ إسطنبول. وأوضح أن الأسوار الأولى، التي أنشئت في عهد الإمبراطور قسطنطين، كانت داخل حدود المدينة اللاحقة، قبل بناء الأسوار المحيطة بمنطقة الفاتح التاريخية في عهد ثيودوسيوس، حيث اتخذت البوابة الذهبية موقعها ضمن التحصينات الجديدة.

وأشار صايغلي إلى أن البوابة ضمت مدخلاً رئيسياً يبلغ عرضه نحو 30 متراً، وإلى جانبيه مدخلين أصغر، عرض كل منهما نحو 9 إلى 10 أمتار. كما عُرف معبر أمامها باسم “كوجك ألطون قابي”، أي بوابة الذهب الصغيرة. وشبه صايغلي البوابة بأقواس النصر التي مرت عبرها الفيالق الرومانية في روما، موضحاً أن الجيش كان يعبرها برفقة الإمبراطور عند العودة من الحرب أو التوجه إليها، إلى جانب استخدامها لأغراض دفاعية.

انتصار بطابع ديني

من الوقائع التي تكشف دلالات البوابة، دخول الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن باليولوج المدينة عام 1261، بعد استعادتها من الإمبراطورية اللاتينية التي سيطرت عليها منذ الحملة الصليبية الرابعة. وبحسب صايغلي، لم يدخل الإمبراطور عبر البوابة الذهبية في عربة احتفالية، بل سار على قدميه مصحوباً بأيقونة “مريم هوديغيتريا”، ذات المكانة البارزة في التقليد البيزنطي. ورأى صايغلي أن المشهد حمل رسالة رمزية، إذ ظهر الإمبراطور أكثر تواضعاً، وأبرز الطابع الديني للانتصار، بدلاً من الاكتفاء باستعراض القوة العسكرية. وهكذا، كانت البوابة مساحة تتداخل فيها الرموز الدينية والسياسية للتعبير عن شرعية الحكم واستعادة العاصمة.

تضاؤل الدور الاحتفالي وتحولات العمارة

مع تراجع القوة العسكرية والسياسية للإمبراطورية البيزنطية، تغيرت وظيفة البوابة وانعكس التحول على عمارتها. وأوضح صايغلي أن البوابة ذات المداخل الواسعة تقلصت على مراحل، حتى تحولت بحلول أواخر القرن الرابع عشر إلى معبر أصغر، بوظيفة احتفالية محدودة، قبل أن يغلب عليها الاستخدام الدفاعي. وعند فتح العثمانيين إسطنبول عام 1453، كان جزء كبير منها قد أُغلق بالحجارة. ومع تغير احتياجات المدينة العسكرية، تراجعت الحاجة إلى مدخل احتفالي واسع، وأصبحت الممرات الأضيق أكثر ملاءمة للدفاع. وقال صايغلي إن التحول يعكس تغير مكانة البوابة، التي أصبحت نقطة دفاعية محدودة بعدما فقدت الإمبراطورية جانباً كبيراً من قوتها.

قلعة الأبراج السبعة

بعد الفتح العثماني، أضاف السلطان محمد الفاتح 3 أبراج إلى الأبراج البيزنطية الأربعة القائمة في المنطقة، لتتشكل قلعة “يدي كوله”، أي الأبراج السبعة. ومع إنشاء القلعة، أُغلقت البوابة الذهبية بالكامل وفقدت وظيفتها كمدخل للمدينة، لتصبح جزءاً من منظومة التحصينات الجديدة. استُخدمت القلعة في العهد العثماني حصناً وسجناً ومكاناً لحفظ الخزانة في فترات مختلفة. وارتبطت بأحداث سياسية، بينها إعدام الصدر الأعظم جاندارلي خليل باشا في عهد محمد الفاتح، واحتجاز السلطان عثمان الثاني، المعروف باسم “عثمان الشاب”، قبل مقتله عام 1622.

وأشار صايغلي إلى إمكانية مشاهدة مسجد القلعة، الذي أُنشئ في عهد الفتح، والذي تعمل بلدية الفاتح على ترميمه. وتتميز واجهة البوابة الذهبية الخارجية بالرخام الأبيض والأحجار المقطوعة، ما يمنحها مظهراً ضخماً يختلف عن أجزاء أخرى من الأسوار. وأوضح صايغلي أن رخام الواجهة جُلب من جزر بحر مرمرة، مشيراً إلى إمكانية مقارنته بالكسوات الرخامية التي ظهرت لاحقاً في المساجد السلطانية العثمانية. وهكذا، جمع تصميم البوابة بين صلابة التحصينات والفخامة المعمارية لتكون مدخلاً إمبراطورياً مهيباً. ورغم إغلاق ممراتها واندماجها في القلعة، بقيت بنيتها شاهدة على زمن كانت فيه أحد أبرز مداخل الإمبراطورية البيزنطية، مختزلةً في حجارتها تحولات المدينة من عاصمة تستقبل جيوشها المنتصرة بمواكب الأباطرة، إلى إسطنبول العثمانية التي أعادت توظيف المعبر ضمن قلعة دفاعية، فيما ظل الرخام الأبيض يحمل أثر هيبته القديمة.