ثلاثة محاور عسكرية تنتظر طلب الرياض.. تفويض البرلمان المصري يفتح الباب أمام دعم دفاعي للسعودية

أقر مجلس النواب المصري، الاثنين الماضي، تفويضاً للرئيس عبد الفتاح السيسي يتيح له اتخاذ إجراءات دفاعية لحماية المملكة العربية السعودية، حال تقدمت الرياض بطلب رسمي بذلك. وجاء القرار بعد جلسات سرية عُقدت في 18 و19 و26 أكتوبر 2026، ناقشت دعوة الرئيس الصادرة في 17 من الشهر ذاته، في وقت تواصلت فيه هجمات جماعة الحوثي على الأراضي السعودية بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة، مخلفة قتلى وجرحى وخسائر مادية.
التفويض البرلماني، الذي استند إلى المادة 130 من اللائحة الداخلية للمجلس والمادة 152 من الدستور، يمنح القيادة المصرية صلاحية إرسال قوات مسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود بعد موافقة ثلثي الأعضاء. وسبق أن أقر مجلس الدفاع الوطني المصري قبل نحو أسبوع “تقديم كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة للسعودية للدفاع عن أمنها واستقرارها”.
دعم دفاعي لا هجومي
أكد رئيس حزب “الجيل الديمقراطي” وعضو مجلس الشيوخ المصري، ناجي الشهابي، للأناضول، أن التفويض يهدف إلى تمكين الدولة المصرية من تقديم الدعم الدفاعي اللازم للسعودية ضمن التنسيق المشترك، بما يحفظ سيادة المملكة وأمن أراضيها. وشدد على أن الموقف المصري “يقوم على الدفاع وليس الاعتداء”، مشيراً إلى أن التفويض يعكس عمق العلاقات الاستراتيجية والمصير المشترك بين البلدين، ويؤكد أن الأمن القومي العربي وحدة لا تتجزأ.
ودعا الشهابي إلى تكامل الموقف الدفاعي مع تحرك سياسي ودبلوماسي نشط لاحتواء التصعيد وتسوية الخلافات وحقن الدماء، مؤكداً أن مصر لا تستهدف الاعتداء على أي دولة عربية، بل تتمسك بحق المملكة في الدفاع عن نفسها مع بذل كل جهد ممكن لتجنب توسع الصراع. وأضاف أن مصر، بثقلها الإقليمي والتاريخي، مطالبة بمواصلة دور الوساطة وتقريب وجهات النظر والعمل على تسوية سياسية تحفظ أمن الدول العربية.
وحول آليات الدعم، أوضح الشهابي أن تحديد التفاصيل ليس محلاً للتكهن، إذ يرتبط بتقديرات المؤسسات المعنية والخطط والتنسيق العسكري بين البلدين، وهي أمور غير معلنة.
ثلاثة مسارات محتملة
من جانبه، رجّح الخبير العسكري والاستراتيجي، النائب الأسبق لرئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأردني الفريق قاصد محمود، أن تتحرك القاهرة، في حال طلبت الرياض ذلك، عبر ثلاثة مسارات رئيسية: تعزيز الدفاع الجوي، وتأمين المواقع والمرافق الحيوية والمناطق المقدسة، فضلاً عن الجاهزية البحرية لضمان سلامة الملاحة في الممرات الحيوية مثل باب المندب إذا اقتضت الضرورة ومصالح الأمن القومي المشترك.
وأشار محمود إلى أن الإجراءات الدستورية المصرية أظهرت حضور العنوان القومي العربي في المشهد كرسالة ردعية عالية وواضحة. لكنه شدد على أن التقديرات الميدانية والاحتياجات العسكرية الفعلية تحددها المملكة بناءً على طلبها، ليتم التنسيق مع مصر التي تمتلك إمكانيات عسكرية وازنة. وأوضح أن التحديات العسكرية لدى السعودية تتجلى في اتساع رقعتها الجغرافية وتعدد أهدافها الحيوية التي تقدر بعشرات الآلاف، مما يجعل التغطية الشاملة بشبكات الدفاع الجوي بحاجة إلى إمكانيات هائلة.
واستدرك محمود أن هناك فرصة لتراجع هذا الخطر عن السعودية بعد اجتماع “حلف مكة” في إيران الاثنين الماضي، والذي ضم السعودية وتركيا وباكستان ضمن جهود خفض التصعيد الإقليمي ودعم الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وفق مصادر سعودية وإيرانية متطابقة.
صلاحيات كاملة ونماذج سابقة
أكد محمود أن هذه الخطوة الدستورية تمنح القيادة المصرية الصلاحيات الكاملة لاتخاذ القرارات المناسبة، وتمكن القوات المصرية من وضع الخطط الاحتياطية وتحديد آليات التدخل وإرسال القطاعات العسكرية في مجالات الدفاع الجوي أو سلاح الجو أو القوات البحرية، متى طلبت السعودية ذلك وفقاً لتطورات المخاطر الميدانية.
وعن النموذج المصري السابق في المشاركة بالدفاع عن الإمارات، قال محمود إنه كان “رمزياً جداً”، لكنه أشار إلى أنه طالما تم المضي في إجراءات دستورية كاملة بشأن الدفاع عن السعودية، فإن إرسال قطاعات كاملة مثل الدفاع الجوي أو سلاح الجو وارد تماماً، مرهوناً بوجود نقص في المملكة أو خروج الأمور عن السيطرة.
تاريخياً، لعبت الكوادر العسكرية المصرية دوراً محورياً في تأسيس وبناء وتطوير الجيش الإماراتي بعد قيام الاتحاد عام 1971، كما نشرت مصر وحدات عسكرية داخل الإمارات إبان أزمة الخليج وحرب الكويت (1990-1991) كإجراء دفاعي استراتيجي.
ردود فعل وتأكيدات رسمية
وحتى اليوم، لم تصدر تعليقات رسمية من الحكومة أو القيادة السعودية على قرار البرلمان المصري. لكن البرلمان العربي، برئاسة السعودي سعد العتيبي، أشاد في بيان الثلاثاء بالخطوة، واصفاً إياها بأنها تعكس أصالة التضامن العربي ووحدة الموقف في مواجهة الأزمات، وتجسد أهمية تضافر الجهود العربية لحماية أمن الدول العربية.
وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أكد خلال حفل تخريج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية أن الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط. وفي 21 أكتوبر 2026، عاد السيسي ليؤكد أن الجهد العسكري المصري المقترح يقتصر على الدفاع عن أراضي المملكة وحدودها، ولا يشمل شن أي هجوم على اليمن، وأن المقصود هو الدفاع عن أراضي المملكة وأراضي أي دولة عربية أخرى إذا طُلب ذلك.
وفي اليوم ذاته، زار وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ورئيس جهاز المخابرات العامة اللواء حسن رشاد الرياض، حيث التقيا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وقدما رسالة من السيسي تتعلق بالتضامن الكامل مع المملكة، وفق بيان للخارجية المصرية.




