معهد الأبحاث: ملوحة التربة في العبدلي بلغت مستويات خطيرة تهدد الأمن الغذائي

شارك وفد من معهد الكويت للأبحاث العلمية في فعاليات «مؤتمر المبتكرين والمبدعين العرب» الذي تستضيفه العاصمة العمانية مسقط، حيث قدّم عرضاً لإطار إستراتيجية مبتكرة تهدف إلى إدارة ملوحة الأراضي الزراعية ودعم الأمن الغذائي.
إستراتيجية كويتية لمواجهة تملح التربة
وقالت رئيسة الوفد، الدكتورة أمل الكندري، الباحثة العلمي المشارك في مركز أبحاث البيئة والعلوم الحياتية بالمعهد، لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) اليوم الأربعاء، إنها شاركت رفقة زملائها من برنامج الأمن الغذائي التابع للمركز في أعمال المؤتمر بهدف إلقاء الضوء على تحديات ملوحة التربة التي تواجه معظم دول الخليج.
وأضافت الكندري أن فريق العمل المعني بإطار الإستراتيجية، الذي يحمل عنوان «إستراتيجية الكويت المبتكرة لإدارة ملوحة الأراضي الزراعية لدعم الأمن الغذائي»، يواصل جهوده من أجل اعتماد الإستراتيجية رسمياً قبل تعميمها على المنطقة، مؤكدة الحرص على إيجاد حلول جذرية لما وصفته بـ«الأزمة الصامتة».
وأوضحت أن التربة السليمة والمياه ذات النوعية الجيدة تمثلان الأساس المتين للإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن ظاهرة تملح التربة تشكل تهديداً متزايداً في ظل تقلبات مناخية أكبر وضغط متصاعد على موارد المياه العذبة وارتفاع معدلات التبخر.
وشددت على أن التملح لم يعد مجرد مشكلة زراعية محلية، بل أصبح تحدياً وطنياً وإستراتيجياً يتطلب استجابة منسقة، لافتة إلى أن تقييم ملوحة التربة في منطقة الزراعة الشمالية (العبدلي) أظهر أن مستويات الأملاح في أكثر من 95% من المزارع التي شملتها الدراسة بلغت حدوداً مقلقة، الأمر الذي يضع الإنتاج الأمثل للمحاصيل والأمن الغذائي على المحك، ويستدعي وضع استراتيجية متكاملة لإدارة الأراضي الزراعية.
وأكدت أن الإطار المقترح، المبني على الأدلة العلمية، يمثل نقلة نوعية من المعالجات الآنية المحدودة إلى نهج شامل واستباقي لتقييم تملح الأراضي الزراعية وإدارته، بما يسهم في تحسين إنتاجية المزارع في الكويت.
خريطة طريق لأصحاب المصلحة
من جانبه، قال الباحث في المعهد ضاري الشمري لـ«كونا» إن الإستراتيجية المعدة تقدم خريطة طريق شاملة لأصحاب المصلحة المتعددين، من باحثين ومقدمي خدمات إرشادية ومزارعين وصانعي سياسات، بهدف بناء توافق جماعي يعزز إنتاجية المزارع المروية في ظل الملوحة، عبر مختلف النظم الزراعية في الكويت، بما يحقق الأمن الغذائي.
وأضاف أن الإستراتيجية ستزود المزارعين الكويتيين وخدمات الإرشاد الوطني بالمعرفة والمهارات المناسبة وبالطريقة الملائمة، لمساعدتهم على استخدام موارد مزارعهم بشكل مستدام، من خلال اختيار المحاصيل الموجهة وفق مستويات الملوحة.
تقييم ميداني يكشف تأثر 98 مزرعة
بدورها، قالت الباحثة في المعهد شيخة الزامل لـ«كونا» إن من الأهداف الرئيسية للإستراتيجية تحقيق الاستخدام الأمثل والإدارة الكفؤة لموارد التربة والمياه الجوفية، عبر اعتماد أساليب متكاملة تشمل الجوانب الفيزيائية والكيميائية والهيدرولوجية والحيوية، لاستصلاح المزارع المتأثرة بالأملاح، إضافة إلى تهيئة الأرضية المناسبة لصناع القرار والخدمات الإرشادية.
وعن عملية تقييم ملوحة التربة في منطقة الجذور، أوضحت الزامل أنه تم جمع 100 عينة تربة من عمق يتراوح بين صفر و30 سنتيمتراً من 100 مزرعة، قبل أن تُحلل العينات لقياس التوصيل الكهربائي لمستخلص عجينة التربة المشبعة.
وأفادت بأن 98 من أصل 100 مزرعة في منطقة العبدلي الزراعية تأثرت بالتملح على العمق المذكور، وتراوحت مستويات الملوحة فيها بين المتوسطة والشديدة جداً.
ملاحظات ميدانية وتوصيات تنفيذية
وحول أبرز الملاحظات التي رُصدت قبل الشروع في إعداد إطار الإستراتيجية، قال الباحث في المعهد عبدالرحمن العنزي لـ«كونا» إن منطقة العبدلي الزراعية شهدت تملحاً في التربة السطحية وتحت السطحية، نتيجة استخدام المياه شبه المالحة في ري المحاصيل.
وأوضح العنزي أن هذا الواقع أدى إلى غياب الغطاء النباتي، حيث تظهر القشرة الملحية السطحية بوضوح، مع تقزم نمو النباتات، وانعدام إنتاج الثمار أو صغر حجمها عن المعتاد في نخيل التمر، فضلاً عن العثور على نباتات ميتة أو على وشك الموت في البقع المتملحة.
ووفق القائمين على الإستراتيجية، فإن تنفيذها يضمن استمرارية الإنتاج الغذائي المحلي من خلال تبني سياسة تحديث الري بالمياه الجوفية شبه المالحة، ورسم خرائط لمخاطر التربة والمياه، والتحول إلى المحاصيل المتحملة للملوحة، واعتماد محسنات التربة المستمدة من الطبيعة، ودمج نظم المعلومات الجغرافية لرصد ملوحة المزارع المستهدفة.
وأكدوا ضرورة تشجيع المزارعين على تدوير المخلفات الزراعية إلى أسمدة عضوية عبر التسميد العضوي (الكمبوست)، والتغطية والمعالجة الحيوية، للحفاظ على الكربون العضوي في التربة، وكبح تراكم الأملاح، وتعزيز النشاط الميكروبي المفيد في البيئات شديدة الجفاف.
كما شددوا على أهمية تنظيم تدريب متخصص في تقييم الملوحة وإدارة التربة وصونها، والاستخدام المستدام لموارد التربة والمياه، واعتماد أصناف المحاصيل المتحملة للملوحة، وممارسات توفير المياه الحديثة، وتنويع الدورات الزراعية، وكفاءة إدارة الصرف.
يُذكر أن أعمال «مؤتمر المبتكرين والمبدعين العرب» انطلقت يوم الاثنين الماضي، وتستمر ثلاثة أيام، لبحث آليات دعم الانتقال من الفكرة إلى المنتج، وتعزيز بيئة الابتكار وبراءات الاختراع، وبناء شبكات تعاون عربية مستدامة، بمشاركة وفد من معهد الكويت للأبحاث العلمية وجامعة الكويت.
وينظم المؤتمر هيئة البحث العلمي والابتكار العمانية، بالتعاون مع اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم، والجامعة العربية المفتوحة، وبالتنسيق مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، بحضور نخبة من المبتكرين والخبراء والمختصين والباحثين ورواد الأعمال العرب.




