تخطَّ إلى المحتوى
السبت 24 أكتوبر 202613 جمادى الأولى 1448 هـ15:13 الكويتالمغرب 17:09 35° صحود.ك = 3.220 $
موسم الوسم — متبقٍ 44 يوم
أخبار الكويت و الخليج و العالم
صحيفة إلكترونية كويتيةالسبت 24 أكتوبر 2026
الآن

في تونس.. العود التونسي إرث موسيقي ينتظر جيلاً جديداً ليحمله

في تونس.. العود التونسي إرث موسيقي ينتظر جيلاً جديداً ليحمله

بين أيادي الصنّاع الذين يشكّلونه، وأصابع العازفين الذين يمنحون أوتاره حياة، يظل العود التونسي يبحث عن موطئ قدم أوسع في بلاده، وعن جيل جديد يحمل هذا الإرث إلى خشبات المسارح، في ظل ضعف الإقبال على تعلّمه وتصنيعه.

دورة رابعة لمهرجان دولي

من هذه الفكرة، انطلقت الدورة الرابعة للمهرجان الدولي للعود في مدينة تونس العتيقة، الذي يضم حفلات موسيقية وورشات تدريب ومعارض وندوات علمية، في مسعى لإعادة هذه الآلة إلى دائرة الضوء، وإفساح المجال أمامها للتفاعل مع تجارب موسيقية من دول أخرى.

وتُختتم فعاليات هذه الدورة التي انطلقت في 16 أكتوبر/ تشرين الأول مساء السبت، بحفل يحييه الثلاثي الفلسطيني جبران في مدينة الثقافة بالعاصمة تونس.

برنامج متنوع بين الحفلات والتكوين

طوال أيام المهرجان، تزاوج الاهتمام بالعود التونسي وخصائصه التي تميّزه عن العود المشرقي، مع الانفتاح على تجارب فنانين من تركيا ولبنان وفلسطين، إضافة إلى عروض تمزج العود بآلات أخرى كالبيانو.

واستُهلّت الفعاليات بمعرض للعود التونسي والمشرقي، قدّمه الحرفي الهادي بالأصفر والفنان أمين الخراط، تلاه حفل للفنان التونسي زياد غرسة، المشهور بالعزف على العود التونسي. شملت سهرة الافتتاح تكريماً للأصفر تقديراً لمسيرته في صناعة العود، بالإضافة إلى ورشة حية عرّفت الجمهور بمراحل صنع الآلة.

وتوضح سهام بن تومي، مديرة النادي الثقافي “الطاهر الحداد”، الجهة المنظمة للمهرجان، أن الدورة أقيمت تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية والمندوبية الجهوية للثقافة، وبمشاركة مؤسسات فنية وثقافية عدة، من بينها مسرح الأوبرا بتونس، والمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات، وإدارة الموسيقى والرقص، ومركز الموسيقى العربية والمتوسطية، ودار العود التونسي.

ولم تقتصر الفعاليات على الحفلات، بل تضمنت مسابقة وطنية في العزف على العود، ومعرضاً للآلة بنوعيها التونسي والمشرقي، فضلاً عن ورشات يقدّم خلالها الفنانون المشاركون تجاربهم وأعمالهم. كما شمل البرنامج ندوة علمية بعنوان “آلة العود التونسي: مقاربات نقدية معاصرة ورهانات التجديد”، ولقاءً في دار العود التونسي، وهو معهد للموسيقى التقليدية التونسية في قلب المدينة العتيقة.

انفتاح على الخارج وتركيز على المحلية

وحول المشاركة الأجنبية، قالت بن تومي إن الانفتاح على تجارب من خارج تونس هو خيار اعتمده المهرجان منذ دورته الثانية، عبر إدراج عروض دولية إلى جانب العروض المحلية. وأضافت أن الدورة الحالية استضافت عازف العود التركي محمت أمين ميتماز، وأحيا الفنان اللبناني شربل روحانا حفل الجمعة، بينما اختُتمت الفعاليات مع الثلاثي الفلسطيني جبران.

في الوقت نفسه، يحرص المنظمون على إبقاء العود التونسي محور البرنامج، رغم الصعوبات التي واجهت الفكرة الأولى للمهرجان. وأوضحت بن تومي أن المشروع بدأ من بحث حول العود ورغبة في تخصيص مهرجان للعود التونسي، لكن التواصل مع المختصين أظهر ضعف الإقبال عليه، وصعوبة إعداد برنامج متنوع يعتمد عليه وحده. وتابعت: “لكننا لم نستسلم، لأننا مهتمون أساساً بالعود التونسي، رمز هويتنا الثقافية وتاريخنا الموسيقي”.

ولهذا، أبقى المنظمون على فقرات أساسية تحتفي بالآلة، من خلال الندوات العلمية والمعارض والورشات التي يُخصص معظمها للعود التونسي. ولتعزيز هذا التوجه، لجأ المهرجان إلى شراكات مع دار العود التونسي وأكاديمية الفنون للفنان زياد غرسة، بهدف المساهمة في إعادة الآلة إلى الساحة الموسيقية وتشجيع الشباب على تعلّم العزف عليها.

تحديات وبوادر أمل

ترى بن تومي أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور فضاءات تهتم بالعود التونسي وتستقبل الشباب الراغبين في تعلم العزف عليه، ومنها الدار والأكاديمية. وتصف الفنان زياد غرسة، الذي افتتح الدورة، بأنه “علامة من علامات العود التونسي”. ويُظهر الجمع بين الحفلات والتكوين والبحث العلمي رغبة القائمين على المهرجان في أن يتجاوز أثره أيام العروض، ليشمل الاهتمام بتعلّم الآلة وصناعتها وممارستها.

وكانت هذه الجوانب أيضاً محور النقاشات الأكاديمية التي تناولت أسباب تراجع حضور العود التونسي، وسبل توسيع انتشاره وإبراز قيمته التراثية. ومن بين فعاليات الدورة، قدّم الفنان التونسي زياد المهدي عرضاً ثنائياً يجمع العود والبيانو، في عمل أوضحت بن تومي أنه أُنجز على مدى سنوات بتأطير من الفنان ظافر يوسف، ورافقه عازف البيانو الأمريكي المقيم في تونس كايل شافر. وتضمن العمل مقطوعة “Bey’s March” من تأليف عازف العود زياد المهدي، وتندرج ضمن ألبوم “سماء تونس”، بالتعاون مع علامة “Back beat Editions” لصاحبها ظافر يوسف.

وعلى هامش الندوة العلمية التي أُقيمت الجمعة في مركز الموسيقى العربية والمتوسطية بضاحية سيدي بوسعيد بالعاصمة، تحدث أستاذ الموسيقى بجامعة قابس عزيز الورتاني عن إشكاليات تحد من حضور العود التونسي. وقال الورتاني إن دراسة المشهد الموسيقي في تونس تطرقت إلى حضور الآلة على ثلاثة مستويات: التكوين، والتصنيع، والممارسة الموسيقية. وأوضح أن هذه المجالات تواجه صعوبات، منها نقص التكوين المتخصص، وعزوف عدد من الحرفيين عن صناعة العود التونسي بسبب تكلفته ومحدودية الطلب عليه. ورأى أن ذلك انعكس على حضور الآلة في المشهد الموسيقي التونسي مقارنة بالعود المشرقي، واختتم بالتأكيد على أن المهرجان يمثل محاولة لإعادة العود التونسي إلى مكانته، مشيراً إلى أن تخصيص الندوة العلمية له في هذه الدورة يأتي بعدما كان الاهتمام في الدورات السابقة موجهاً إلى آلة العود عموماً.