ندوة في «الفتوى والتشريع» تقرأ تعديلات قانون المناقصات العامة وأثرها على التعاقد الحكومي

استضاف مبنى إدارة الفتوى والتشريع ندوة حوارية جاءت تحت عنوان «قانون المناقصات العامة الجديد.. قراءة قانونية في التعديلات المستهدفة وآثارها على إجراءات التعاقد الحكومي»، ونُظّمت في إطار الموسم الثقافي القانوني الثاني للإدارة، وحضرها رئيس مجلس إدارة الجهاز المركزي للمناقصات العامة عصام المرزوق، ووكيل الوزارة المساعد لشؤون الخدمات المساندة في وزارة المالية مشعل القحص، ووكيلة إدارة الفتوى والتشريع ونائبة رئيس قطاع الفتوى د. نجلاء الغيض، ومديرة الشؤون القانونية بالإنابة في مؤسسة البترول الكويتية آلاء الصقعبي.
نصاب المناقصات يرتفع إلى مليون دينار
وفي مداخلته خلال الندوة، أوضح المرزوق أن النصاب الذي تُعرض عنده المناقصات على الجهاز المركزي رُفع ليصبح مليون دينار بعد أن كان 75 ألف دينار، وعلّل هذا التعديل بأن قسماً كبيراً من المناقصات السابقة، يبلغ نحو 50 بالمئة، كان بقيمة 75 ألف دينار، وهي مناقصات ذات طبيعة تشغيلية ومتكررة لا تستدعي تدخل الجهاز المركزي ومجلس الإدارة على نحو دائم، لافتاً إلى أن الهدف من القرار تخفيف الأعباء الإدارية وتوجيه مزيد من التركيز إلى المشاريع الاستراتيجية والحيوية، مع تأكيد أن الجهات الحكومية تملك الجاهزية والقدرة المالية والإدارية للتعامل مع هذا النصاب.
وأشار المرزوق إلى أن التفكير في مراجعة الإجراءات بدأ منذ عام 2019، حين وجّه مجلس الوزراء بتشكيل لجنة برئاسة وزير الدولة للشؤون الاقتصادية تنظر في إجراءات التعاقدات الحكومية وتسريع الدورة المستندية، وضمت اللجنة ممثلين عن عدد من الجهات الحكومية الرئيسية، منها وزارات المالية والأشغال والكهرباء والماء والقطاع النفطي، إلى جانب ممثل الأمانة العامة للجهاز المركزي، مبيناً أن اللجنة خلصت إلى توصيات متعددة ومقترحات تشريعية تهدف إلى تيسير الإجراءات وتبسيطها وتنسيق العمل بين الجهات الحكومية.
الفصل بين التصميم والإنشاء وأولوية المنتج المحلي
وذكر المرزوق أن القانون تناول في مادة خاصة الفصل بين التصميم والإنشاء، موضحاً أن هذا الفصل ممكن في المشاريع التقليدية أو مشاريع البنية التحتية البسيطة، في حين يمكن في المشاريع المعقدة مثل محطات القوى الكهربائية والقطاع النفطي أن يُلزم المقاول بتقديم «الهندسة الأولية والتصميم» ثم تنفيذ المشروع كاملاً على أساسه، كما أتاح القانون مرونة استثنائية للجهات التي ترغب في الدمج بين التصميم والإنشاء بأن تقدّم مبرراتها وتحصل على الموافقة على ذلك.
وفي ما يخص المنتج المحلي، أفاد المرزوق بأن المواد المتعلقة به جرى معالجتها وتدقيقها بما يضمن أفضلية واضحة للمنتجات الوطنية مقابل المنتجات الأجنبية أو غير المحلية، مشيراً إلى التنسيق مع الجهات المعنية، ومنها وزارة الصناعة، لوضع نسب وضوابط دقيقة تدعم الصناعة والمنتج المحلي.
أما المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فبيّن المرزوق أنه رغم وجود قوانين سابقة تدعمها، فإن التعديلات الجديدة وضعت ضوابط تمنحها منافذ وأفضليات محددة في المناقصات بما يتوافق مع القوانين العامة ودون تعارض معها، وأن دخول هذه المشروعات في المشاريع الحكومية سيُنظّم، مؤكداً تنظيم عمل لجنة التظلمات لتكون الجهة التي تنظر في طعون الشركات على قرارات مجلس الإدارة، مع منح الشركات حق اللجوء إليها إذا رأت أن قرار المجلس غير سليم، وتوضيح صلاحيات اللجنة في قبول القرارات أو إلغائها.
وبشأن ملف الوكيل المحلي، أشار المرزوق إلى نقاش موسّع أُثير حول إلغائه وما قد يترتب عليه من إشكاليات لبعض الجهات الحكومية، مثل وزارة الصحة ووزارات أخرى تتطلب طبيعة عملها وجود وكيل معتمد أو وكيل عمولة، وقد انتهى التعديل إلى إعطاء الوزير المختص، كوزير المالية أو الوزير المعني، صلاحية وضع الضوابط والقواعد الخاصة بتنظيم الاستثناءات أو الحالات التي يلزم فيها وجود وكيل محلي.
الغيض: ملامح إيجابية وسريان بأثر مباشر
من جهتها، قالت د. نجلاء الغيض إن ملامح إيجابية ظهرت في القانون، منها ما يتصل بمؤسسة البترول وموضوع رفع النصاب الذي وصفته بالمهم جداً، لأنه أتاح للجهات الحكومية العمل في ظل تبسيط الإجراءات واتخاذ خطوات التعاقد والترسية مع تقليص الدورة المستندية، غير أنها شددت في المقابل على ضرورة الانتباه إلى أن لجان الشراء في الجهات الحكومية مناطة اليوم بتنظيم عملها ووضع ضوابط لها بما يضمن سلامة الإجراءات المطبقة.
ولفتت الغيض إلى أن من الجوانب الإيجابية في القانون ترك أو إضافة حكم يتعلق بإعادة تقييم تصنيف متعهدي المقاولات العامة وجعله أمراً دورياً، وهو ما سيدفع الشركات إلى رفع مستواها لتحقيق متطلبات الجهاز، مؤكدة أن مسألة الفصل أو الجمع بين أعمال التصميم والإنشاء مهمة في ذاتها لأنها قادرة على تعزيز كفاءة الأعمال والحوكمة في تنفيذ المشاريع، وأن القانون منح استثناءً تقدّره الجهة الحكومية بحسب طبيعة المشروع.
وفي ما يتعلق بالنطاق الزمني لسريان القانون، أوضحت الغيض أن هذه القاعدة تُعرف بالأثر المباشر للقانون الجديد أو بمسألة فض التنازع بين القانون السابق واللاحق، وقد حُسمت في المادة 179 من الدستور والمادة الثالثة من القانون المدني، فالأصل قانوناً عدم رجعية القوانين، حرصاً من المشرّع على استقرار المعاملات وتحقيق العدالة للمتعاملين في ظل قانون قائم، منعاً لأي ربكة في التعاملات، مبينة أن القانون الجديد يسري بأثر فوري ومباشر على الوقائع القانونية التي تحدث في ظله، سواء عند نشأتها أو عند إنتاجها لآثارها أو عند انقضائها.
وأضافت أن آثار التصرفات أو الإجراءات التي تمت في ظل قانون سابق تبقى محكومة بالقانون الذي أُبرمت العقود في ظله، ما لم يتصل الأمر بالنظام العام، موضحة أن التعديل وفقاً للمرسوم بالقانون رقم 94 لسنة 2026 نصّ في المادة الخامسة على العمل به بعد ثلاثة أشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، أي في أواخر ديسمبر المقبل، ليدخل حيز النفاذ من ذلك التاريخ لا من تاريخ صدوره أو نشره.
وذكرت أن المادة الثالثة من مرسوم التعديل تقضي بألا تسري أحكام القانون على الإجراءات التي تمت على المناقصات، إذ تظل خاضعة لأحكام القانون السابق، لكن القانون وضع استدراكاً باستثناء مادتين هما 62 و62 مكرراً، المتعلقتان بأولوية المنتجات وبموضوع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ليكون النفاذ بالنسبة إليهما بأثر فوري.
وبيّنت الغيض أن هناك قاعدة مستقرة ومهمة بشأن المناقص الفائز، فلا يُعد متعاقداً إلا من تاريخ التوقيع على العقد، وبالتالي فإن إرساء المناقصة أو الإعلان عنها يقع في نطاق الإجراءات التمهيدية التي لا تُلزم الجهة الإدارية بقرار حاسم فيها، مشيرة إلى أن اللائحة التنفيذية تُعدّ، بحسب ما علمت، في قطاع التشريع لدى الفتوى والتشريع ويُستعجل بها، وأن اللائحة تُعد تشريعاً متمماً للتشريع الأصلي وسريانها مرتبط به.
وشددت على أهمية إدراك أن اللائحة تضع قواعد عملية إجرائية ولا تضيف حكماً جديداً ولا تعدّل التشريع القائم ولا تتضمن تعطيلاً أو إلغاءً ولا تنظم أمراً لم ينظمه القانون الأساسي، فهي تحدد الإجراءات فقط وتضبط المسار وتصوّب ما قد يكون خاطئاً وتوجهه على نحو سليم.
الفحص: تحديث التعميم رقم 5 وخطة الشراء
من جانبه، أكد مشعل القحص أن وزارة المالية تعمل على تحديث التعميم رقم 5 لسنة 2000 الخاص بنظم الشراء في الجهات الحكومية ليتلاءم مع النصاب والتعديلات الجديدة للقانون، مشيراً إلى أن الهدف وضع بيئة مناسبة في الجهات الحكومية تسرّع تطبيق القانون دون معوقات، ومؤكداً أن المناقصات والممارسات والشراء المباشر وسائل وليست غاية، وأن الغاية الأساسية تمكين الجهات الحكومية من تقديم خدماتها للمواطنين ودفع مشاريع التنمية إلى الأمام.
ولفت القحص إلى وجود اقتراح بأن تكون عروض الأسعار المقدمة حتى 25 ألف دينار مع ضرورة الإعلان في الموقع الإلكتروني ومراعاة تضخم الأسعار، وأن تتراوح الممارسة العملية بين 25 و250 ألف دينار وفق إجراءات داخلية للجهات الحكومية، بينما تبدأ المناقصات الداخلية من 250 ألفاً إلى مليون دينار لتكون مناقصات داخلية بحسب إجراءات الوزير أو رئيس الجهة مع الإعلان في جريدة الكويت اليوم والموقع الإلكتروني، أما المناقصات العامة فتكون لما يزيد على مليون دينار بموافقة رئيس الجهة والإعلان الرسمي، مشدداً على أن هذه الأسقف لا تزال قيد البحث والدراسة والمشاورات مع جميع الجهات الحكومية ولن تُعتمد نهائياً إلا بعد أخذ آراء الجميع.
وأضاف القحص أن خطة الشراء تُعد من أهم بنود التعديل الجديد، إذ تفصح كل جهة حكومية عن خطتها المستقبلية واحتياجاتها مبكراً، وتساعد الخطة على تجميع طلبات الجهة في عقد واحد أمام مورد رئيسي بدلاً من تفرقة الطلبات وتعدد الأسعار على مدار العام، كما في طلبات المكاتب والمشتريات المتكررة، بما يضمن كفاءة الأسعار والالتزام، ويتيح للقطاع الخاص الداخلي والخارجي الاطلاع المسبق على المشاريع والتجهيزات قبل طرحها، فتكون الشركات مستعدة وجاهزة للمشاركة الفورية، ويُمنع تأخير العقود والدورة المستندية.
الصقعبي: العمليات النفطية مستثناة من قانون المناقصات
بدورها، قالت مديرة الشؤون القانونية بالإنابة في مؤسسة البترول الكويتية آلاء الصقعبي إن المؤسسة ذات طابع تجاري اقتصادي وتمثل عصب إيرادات الدولة، وفي مسيرتها نحو التقدم الاقتصادي والتجاري فإن أغلب التشريعات الحالية تتوافق مع هذا التطور.
وأكدت أن العمليات البترولية والنفطية عرّفها المشرع أساساً بأنها مستثناة بالكامل من الخضوع لقانون المناقصات، فهي تخضع كلياً لآلية وقواعد الأحكام الموضوعة داخلياً في مؤسسة البترول عبر اعتماد هذه اللوائح من مجلس إدارة المؤسسة، وبالتالي فإن أي عمليات نفطية مستثناة بالكامل وتخضع لتلك اللوائح الداخلية.
ولفتت الصقعبي إلى أن المشرّع أولى القطاع النفطي اهتمامه منذ عام 1980، وأن عمليات النفط مستثناة بالكامل من الخضوع لقانون المناقصات وتخضع للوائح مؤسسة البترول، في حين تخضع العقود النمطية للجهاز المركزي للمناقصات، خصوصاً أنها ذات طبيعة فنية اقتصادية تجارية دقيقة جداً.
وأشارت إلى أن القانون المعدل وضع تعريفات دقيقة للعمليات النفطية وفق مفهوم واضح وشامل يبيّن العمليات التي تخضع للمؤسسة وتلك النمطية التي تخضع لجهاز المناقصات، وأن التعديل الجديد أفرد لمؤسسة البترول أنظمة يضعها مجلس الإدارة دون التقيد بقانون المناقصات العامة، مبينة أن المؤسسة لديها لجان تعمل على صياغة لوائح التعاقد تمهيداً لرفعها والحصول على الموافقات اللازمة عليها.
وذكرت أن مؤسسة البترول وشركاتها التابعة لديها لجنتان، الأولى لجنة الشراء الداخلية والثانية لجنة الشراء العليا التي يشكلها مجلس إدارة المؤسسة ومن مهامها النظر في التظلمات، وأن التعديل الجديد لقانون مؤسسة البترول يخضعها للرقابة اللاحقة من ديوان المحاسبة.




