تخطَّ إلى المحتوى
الثلاثاء 3 نوفمبر 202623 جمادى الأولى 1448 هـ12:20 الكويتالعصر 14:39 33° صحود.ك = 3.212 $
موسم الوسم — متبقٍ 34 يوم
أخبار الكويت و الخليج و العالم
صحيفة إلكترونية كويتيةالثلاثاء 3 نوفمبر 2026
الآن

حرفي دمشقي ينفخ الزجاج يدوياً في ورشة عائلية عمرها 150 عاماً ويحذر من اندثار المهنة

حرفي دمشقي ينفخ الزجاج يدوياً في ورشة عائلية عمرها 150 عاماً ويحذر من اندثار المهنة

في أحد أحياء دمشق القديمة، لا يزال الحرفي السوري أحمد حلاق يمارس مهنة نفخ الزجاج وتشكيله يدوياً داخل أفران تقليدية، متمسكاً بحرفة ورثها عن والده، ويسعى إلى إبقائها حية في وقت تراجعت فيه صناعة الزجاج اليدوية أمام الإنتاج الآلي.

إرث ثقافي يواجه تحديات العصر

في ورشة أسرته بحي باب شرقي، التي تديرها العائلة منذ عام 1969، ينتج حلاق الأواني المنزلية والثريات والتحف الزجاجية باستخدام طرق تقليدية داخل أفران يعود عمرها إلى أكثر من 150 عاماً. وكانت الورشة تضم في السابق نحو 15 حرفياً، أما اليوم فيواصل حلاق، وهو أكبر إخوته، العمل فيها بمفرده، واضعاً نصب عينيه الحفاظ على هذه الحرفة ونقل خبراتها إلى الأجيال الجديدة.

وقال حلاق لوكالة الأناضول إن صناعة الزجاج بالنسبة إلى أسرته ليست مجرد مهنة، بل إرث ثقافي تناقلته الأجيال حتى أصبح جزءاً من هويتها. وأضاف أنه تعلم نفخ الزجاج من والده في سن مبكرة، ويريد الحفاظ على طرق الإنتاج التقليدية بما يضمن استمرار هذه الحرفة التي ارتبطت بتاريخ عائلته.

تراجع الطلب وارتفاع التكاليف يهددان الاستمرارية

تراجعت سوق المنتجات الزجاجية المصنوعة يدوياً منذ نحو 40 إلى 50 عاماً، مع زيادة الواردات وانتشار الإنتاج باستخدام الآلات، مما جعل استمرار الورش التقليدية أكثر صعوبة. وأشار حلاق إلى أن والده قرر في سبعينيات القرن الماضي مواصلة هذه المهنة بوصفها إرثاً ثقافياً يستحق الحفاظ عليه. وتعمل الورشة منذ عام 1969، فيما يعود تاريخ المبنى إلى نحو 150 أو 160 عاماً.

ولا تقتصر صعوبات العمل على تراجع الطلب، إذ تتطلب صناعة الزجاج درجات حرارة مرتفعة وساعات طويلة من العمل. وكانت أفران الورشة تعمل في الماضي على مدار الساعة وطوال أيام السنة، ولا تتوقف إلا عند الحاجة إلى صيانتها أو خلال عيدي الفطر والأضحى. أما اليوم، فقد أجبر ارتفاع تكاليف الوقود الأسرة على إشعال الفرن صباحاً وإطفائه مساءً، رغم أن تشغيله وإيقافه المتكررين يسببان أضراراً له ويقللان من عمره التشغيلي.

وقال حلاق إن تسخين الفرن الصغير يستغرق من أربع إلى خمس ساعات قبل بدء العمل، حتى يصل الزجاج إلى درجة تسمح بتليينه وإعادة تشكيله. وأضاف: «إطفاء الفرن ثم إشعاله من جديد يضر به ويقلل من عمره، كما أن تكاليف المازوت تشكل مشكلة كبيرة بالنسبة إلينا». وتجعل الحرارة المرتفعة وساعات العمل الطويلة وصعوبة الحصول على إجازات هذه المهنة أقل جاذبية للشباب، محذراً من أن عدم إعداد حرفيين جدد يهدد مستقبل صناعة الزجاج التقليدية.

من الزجاج المكسور إلى قطع فنية

تعتمد الورشة على الزجاج المكسور مادةً خاماً، إذ يتيح الفرن الموجود فيها إعادة تدويره وتشكيله وفق الأساليب التقليدية. وأوضح حلاق أن الفرن يتكون من ثلاثة أقسام: للصهر، والتشكيل، والتبريد. وتصل درجة الحرارة في قسم الصهر إلى نحو 1200 درجة مئوية، فيما تتراوح في مرحلة التشكيل بين 950 و1000 درجة. وعند هذه المرحلة، لا يكون الزجاج سائلاً بالكامل، بل يصبح في قوام يشبه العجين، ما يسمح للحرفي بالتقاطه وتشكيله بالشكل المطلوب.

وبعد الانتهاء من التشكيل، تُنقل القطع إلى قسم التبريد لتخفيض حرارتها تدريجياً ومنع تشققها. وتبدأ هذه المرحلة عند نحو 500 درجة مئوية، ثم تنخفض الحرارة بمعدل يقارب 100 درجة كل ساعة، وتستغرق العملية ما بين خمس وسبع ساعات.

الجودة قبل كثرة الإنتاج

تنتج الورشة أباريق الزيت وأكواب الماء والمزهريات وغيرها من الأدوات المنزلية والقطع الزجاجية الزخرفية. وقال حلاق إن الأسرة كانت تصنع في الماضي قطعاً أكبر حجماً، لكنها باتت تركز على المنتجات الأصغر بعد تقليص حجم الفرن. ووفقاً لحلاق، لا يقيس الحرفي نجاح عمله بعدد القطع التي ينجزها، بل بجودة كل قطعة ومدى رضاه عن تفاصيلها. لذلك يفحص منتجاته بعناية، ولا يحتفظ إلا بما يراه مطابقاً للنتيجة التي يريدها.

وتابع: «عندما أنتهي من صنع قطعة، أتفحصها. إذا كانت كما أريد، أحتفظ بها، أما القطعة التي لا تعجبني فأستبعدها منذ البداية». ويرى أن تشكيل الزجاج فن يتطلب دقة وصبراً، تماماً كما يتعامل النحات مع تفاصيل منحوتته، من أجل الحفاظ على هذا الفن التقليدي وإبقائه حياً.