أزمة مستحقات الصيدليات في تونس تهدد استمرارية العلاج وتثقل كاهل المرضى

تصاعد الخلاف بين وزارة الشؤون الاجتماعية والصيادلة في تونس حول سداد المستحقات المالية للصيدليات الخاصة، ما أثار مخاوف مهنية من تداعيات ذلك على استمرارية العلاج، وسلطت وسائل الإعلام المحلية الضوء على الأعباء الإضافية التي تواجه المنتفعين بالتأمين على المرض.
آليات العمل وتعليق المنظومة
تربط الوزارة صرف المستحقات باستئناف العمل بمنظومة “الطرف الدافع”، بينما تؤكد نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة أن تراكم الديون أضعف السيولة المالية لمؤسساتها ودفعها إلى تعليق التعامل بها. وتتيح هذه المنظومة لأكثر من ثلاثة ملايين مضمون اجتماعي وأفراد عائلاتهم الحصول على الأدوية مقابل سهمهم الشخصي، على أن يتولى الصندوق الوطني للتأمين على المرض تسديد الجزء المغطى مباشرة للصيدليات. وبحسب النقابة، تحمل الصيادلة أعباء مالية متراكمة على مدى سنوات للحفاظ على استمرارية الخدمات.
اقرأ أيضاً: تونس وطهران تتفقان على ضرورة الحوار لحل الأزمة الإقليمية
تسلسل الأحداث وتبادل المواقف
بدأ تعليق العمل بالمنظومة في الأول من نوفمبر الجاري، تنفيذا لقرار أعلنته النقابة في الثلاثين من أكتوبر الماضي، بسبب تأخر المستحقات وغياب حلول تضمن الاستمرارية، وفق بيان نقلته وكالة الأنباء التونسية. وفي جلسة بلجنة الصحة بمجلسي نواب الشعب والجهات والأقاليم، أفاد راديو “موزاييك” المحلي بأن الوزير عصام الأحمر أذن بإيقاف صرف مستحقات الصيدليات الخاصة، وربط استئناف الصرف برفع قرار التعليق، موضحا أن الإذن صدر قبل ساعات من دفعة مالية كان مقررا صرفها في الثالث من نوفمبر.
أبدى المجلس الوطني لهيئة الصيادلة، في بيان مساء الخميس، استغرابه من التصريحات المنسوبة للوزير، معلقا موقفه على التأكد من صحتها، ومعربا عن أمله في نفيها والتراجع عنها. واعتبر المجلس أن هذه التصريحات، إن صحت، قد تزيد تعقيد الأزمة، داعياً إلى الحوار وإيجاد حلول مستدامة تضمن سداد المستحقات وتحمي استمرارية سلسلة الدواء. وأوضح أن التعليق يرتبط بأزمة متواصلة ناجمة عن تأخر السداد وتراكم المستحقات، وما ترتب عليه من اختلالات مالية أثقلت كاهل الصيدليات وتهدد قدرتها على مواصلة النشاط، مشدداً على ضرورة الإيفاء بالالتزامات المالية بالتوازي مع معالجة أسباب الأزمة.
اقرأ أيضاً: برلماني مغربي يكشف تفاصيل الدعم الاجتماعي في موازنة 2027: 6.2 مليار دولار وإعفاءات ضريبية واسعة
أعباء المرضى ومخاطر الامتداد القطاعيّ
اعتبرت جريدة “الشروق” التونسية، في مقال نشرته في الأول من نوفمبر، أن تعليق العمل يضع المضمونين أمام أعباء مالية إضافية، ويعيد ملف المستحقات إلى الواجهة. وحذر رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي، في تصريحات للأناضول، من أن المرضى المنتفعين قد لا يتمكنون من الحصول على الأدوية جراء الأزمة، واصفاً إياها بـ “الظرفية”، ومتوقعاً التوصل إلى حل في أقرب الآجال على غرار تسويات سابقة. وأضاف أن من حق الصيادلة الحصول على مستحقاتهم، لكن الصندوق يفتقر حالياً إلى الرصيد المالي اللازم، مؤكداً أن تسوية سريعة ستخفف معاناة المرضى.
من جانبها، قالت نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة إن الإجراء يستهدف حماية استمرارية الخدمات وقدرة الصيدليات على التزود بالأدوية، معربة عن أسفها لما قد ينجم عنه من اضطراب في الانتفاع بالخدمة الصحية، وأضافت أنها راسلت الصندوق لتنسيق إجراءات التعامل مع ملفات المنتفعين وتيسير حصولهم على أدويتهم. وعلى مستوى القطاع، حذر مجلس هيئة الصيادلة من أن التداعيات قد تمتد إلى مؤسسات التوزيع بالجملة والصناعة الصيدلانية، بالنظر إلى الترابط بين حلقات توفير الدواء، معتبراً أن استمرار الاختلالات قد يضعف التوازنات المالية للمؤسسات ويهدد مواطن الشغل، فضلاً عن انعكاساته على توفر الأدوية واستمرارية العلاج، واصفاً الأزمة بأنها تمس الأمن الدوائي واستمرارية المنظومة الصحية وحق المواطن في العلاج.
اقرأ أيضاً: الكويت ومحيطها العربي: ملفات العمل الخليجي والعربي المشترك
ديون متراكمة ومسار تفاوضي متعثر
تشير تصريحات سابقة لممثلي الصيادلة إلى أن الضغوط المالية سبقت التعليق الأخير بأشهر؛ ففي يوليو الماضي، صرحت نائبة رئيس النقابة الوطنية لأصحاب الصيدليات الخاصة ملكة المدير للإذاعة الحكومية بأن الديون تجاوزت مائتي مليون دينار، نحو 66.6 مليون دولار، موضحة أن الرقم تقديري، وأن المبلغ المحول لسداد جزء من المستحقات لم يتجاوز عشرة بالمئة من إجمالي الديون.
في بيانها الأخير، أكدت النقابة احترام مؤسسات الدولة والاتفاقيات، مشيرة إلى أن علاقتها بالصندوق يحكمها إطار قانوني وتعاقدي، من ضمنه القانون المتعلق بإحداث نظام للتأمين على المرض والاتفاقية القطاعية الموقعة في الرابع عشر من فبراير 2019 وملاحقها. وشددت على أن العلاقات التعاقدية تستمد قوتها من القانون والاتفاقيات ومبدأ استمرارية الدولة ومؤسساتها، وأن احترام الالتزامات واجب مؤسساتي. وأوضحت أن التواصل مع الصندوق والوزارة لم ينقطع منذ سبتمبر، وأنها تلقت وعوداً شفوية بالسداد خلال سبتمبر وأكتوبر، كما راسلت الوزارات المعنية في التاسع عشر من أكتوبر. وبحسب النقابة، جرت الاجتماعات في أجواء من الاحترام المتبادل والتفهم، لكن تعثر التسوية دفع الصيادلة إلى تعليق المنظومة للحد من الأعباء المتراكمة. وثمنت النقابة تفهم المواطنين ومساندتهم، مؤكدة أن الصيادلة قدموا تضحيات على امتداد أكثر من عشر سنوات للحفاظ على المنظومة، وأن أزمة السيولة باتت تهدد قدرتهم على أداء دورهم في توفير الدواء، مجددة تمسكها بحق المواطن في الدواء، فيما دعا مجلس الهيئة إلى معالجة أسباب الأزمة بالتوازي مع تسوية المستحقات، بما يحمي استمرارية المؤسسات وحق المرضى في العلاج.
المزيد في قسم عربي و عالمي




